ولا تلازم عند المحدثين بين الوضع وبين فساد المعنى, كما أنه لا تلازم عند المحدثين بين صحة المعنى وبين صحة الإسناد, فحديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) :
الصواب إرساله عند المحدثين, وقد جزم بلك الإمام البخاري, وأبو حاتم, وأحمد, وأبو زرعة, والدارقطني, وابن رجب, كل هؤلاء الأئمة يجزمون بإرسال هذا الخبر.
فقد رواه الإمام مالك عن الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين عن النبي صلى الله عليه وسلم, ومن رواه كقرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد غلط, وقرة تقدم بأنه سيء الحفظ, قاله أحمد, ويحيى, وجماعة. وزيادة على سوء حفظه فقد خالف من هو أوثق منه, وأقعد منه, وأحفظ منه, فبالتالي يُحكَم على رواية قرة بالشذوذ والنكارة, ونحكم لرواية مالك بالحفظ والضبط, فحديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) لا يصح عند المحدثين إلا مرسلًا, وإن قال عنه أبو عيسى في جامعه: وهذا حديث حسن صحيح. فقد تفرد في رفعه قرة بن عبد الرحمن المعافري, وهو سيء الحفظ, وقد خالفه مالك رحمه الله تعالى.
قوله"ثم قال: فأقول: لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح, وإنما جاء القصور إذا اقتُصِرَ على (حديث حسن) فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار, لا من حيث حقيقته وذاته":
وهذا فيه نظر أيضًا, على اعتبار الذين يقسمون الخبر إلى صحيح وحسن في هذا القول نظر, وعلى اعتبار الذين يجعلون الحديث إما صحيحًا وإما ضعيفًا فلا إشكال في هذا.