قوله"ثم قال: فللرواة صفات تقتضي قبول الرواية, ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض, كالتيقظ والحفظ والإتقان":
وقد ذكرت هذا فيما سبق, وذكرت صفات الرواة الذين تُقبَل أحاديثهم كالحفظ والضبط, وقلت بأن الضبط نوعان: ضبط كتاب, وضبط صدر.
فالذي يضبط عن كتاب, ويحدث من صدره, ويغلط, هذا يُترَك حديثه, ما لم نتيقن بأنه حدث عن كتاب. وقلت أن ابن مهدي يقول بأن الرواة ثلاثة: حافظ متقن, فهذا لا يُختَلف في قبول حديثه. وآخر حافظ ضابط, ويغلط, ولكن الغالب عليه الضبط, فهذا يُقبَل حديثه. والثالث حافظ, ولكنه يهم, ويغلط, والغالب على حديثه الوهم والغلط, فهذا يُترَك حديثه.
وقد يُقبَل الراوي في وجه دون وجه كالمختلط: المختلط كعطاء بن السائب, فمن روى عنه قبل الاختلاط قُبِلَ حديثه, ومن روى عنه بعد الاختلاط تُرِكَ حديثه. ويمكن تقسيم المختلطين إلى قسمين:
قسم تميز حديثه.
وقسم لم يتميز حديثه.
فالذين لم يتميز حديثهم نتركهم مطلقًا, ولا نقبل منهم لا صرفًا ولا عدلًا, كالليث بن أبي سليم.
وقسم تميزت أخبارهم, كعطاء بن السائب: نقبل من عطاء من روى عنه قبل الاختلاط, كسفيان, والحمَّادَيْن على الصحيح, والأعمش لأنه من القدامى, وشعبة, وأمثال هؤلاء. ولا نقبل زهيرًا, ولا جريرًا, ولا أمثال هؤلاء.
فالرواة لهم صفات يُقبَلون بها. فإذًا هذا يقتضي أهمية دراسة الأسانيد, وأكرر: بقراءة الكتب المطولة.
فإذا أراد أحدكم أن يدرس إسنادًا في أبي داود, أو في جامع أبي عيسى, أو عند النسائي, فإنه يذهب إلى تهذيب الكمال, أو تهذيب التهذيب, وينظر ما قيل عن