فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 298

قوله"ولهم في نقد ذلك طرق متعددة, وإدراك قوي تضيق عنه عباراتهم, من جنس ما يُؤتَاه الصيرفي الجِهبذ في نقد الذهب والفضة, أوالجوهري لنقد الجواهر والفصوص لتقويمها":

أي أن المحدثين لهم نقد, وإبداع في النقد, ولهم ذوق قد لا يفهمه الذي يأتي بعدهم, أو لا يدركه ولا يبلغ شأوه. وهذا بمنزلة الصيرفي, وبمنزلة الجوهري, فهذا وذاك يدركان في الصنعة ما لا يدركه من ليس أهل الصنعة, فلا يمكن لشخص ليس من أهل الصنعة أن يقول: هذا ليس كذا, وهذا ليس كذا, أو هذا ذهب, وهذا فضة. فإن التمر لا يُجلَب إلى أهله, وأهل مكة أدرى بشعابها. فهذا العالم بالحديث, المبدع فيه, وبالأخص كالإمام البخاري, وأحمد, والسفيانين, وشعبة, وعلي بن المديني, ويحيى بن معين, ومسلم, والنسائي, وأبي داود, والترمذي, والدارقطني, وأمثال هؤلاء, يدركون ما لا يدركه غيرهم.

وكلما كان طالب العلم أكثر قراءةً لكلام هؤلاء, وأحفظ لكلام هؤلاء, كلما كان علمه وتعليله وفهمه ألصق بهم من غيره. والذين يقرؤون الآن في المصطلحات المتأخرة, كمقدمة ابن الصلاح, أو بعض مؤلفات الحافظ ابن حجر, أو كتب العراقي كالألفية, أو ألفية السيوطي, هؤلاء يحصل عندهم من الخلل في التطبيق العملي والنظري, ما لا يحصل عند من يدمن القراءة مثلًا في كتب ابن رجب, أو كتب ابن عبدالهادي, أو كتب الأئمة المتقدمين.

وليس معنى هذا أن مؤلفات هؤلاء الأئمة كابن حجر وابن الصلاح لا تُقرَأ, كلا, فهي تُقرَأ ويُستَفاد منها, وهم أئمة, لهم قدرهم ومكانتهم, ولا خير في رجل لا يعرف فضل هؤلاء. ولكن هؤلاء الأئمة لهم تفردات في علم مصطلح الحديث لم يقل بها أحد من أئمة السلف, ولهم آراء نقلها بعضهم عن بعض دون تحقيق, ودون تمحيص, تؤثر على الأمور العملية في التصحيح والتضعيف, وليست مأخوذة عن أئمة السلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت