وطالب العلم دائمًا يبحث عن الأكمل, وعن الأفضل, ويبحث عما هو أقرب إلى الصواب, وعما هو أكثر فائدة, وعما هو أدق تعبيرًا, وأدق معنى, وهذا مطلب لا يأباه أحد, ولكن لا يتأتى إدراكه ولا معرفته إلا بقراءة كتب أئمة السلف, وحفظ كثير منها, ودراستها, والنظر فيها, فإن هؤلاء الأئمة لهم من النقد ما ليس لمن جاء بعدهم, وتارةً ينقدون الحديث دون أن يبينوا علته, فيأتي من جاء بعدهم فينقدهم, وهذا غلط. هؤلاء لا ينقدون عن فراغ, ولا يتحدثون عن شهوة في الحديث, كما قال أحدهم: إنا لنطعن في رجال لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مئتي عام. وكما قال بعضهم: عِلْمُنَا إلهام لا ندري من أين قلناه. أي لا يستطيع الواحد من هؤلاء أن يعبر عما يقول, أي بالعبارة المطلوبة من كل وجه, وهذا ليس في كل حديث, إنما هو في بعض الأحاديث, بسبب أن هؤلاء يأخذون هذا العلم بالممارسة, وبالأمور العملية.
قوله"فلكثرة ممارستهم للألفاظ النبوية, إذا جاءهم لفظ ركيك, أعني مخالفًا للقواعد - تقدم تحرير هذا - أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب, أو الفضائل, وكان بإسنادٍ مظلم, أو إسنادٍ مضيء كالشمس في أثنائه رجل كذاب أو وضَّاع, فيحكمون بأن هذا مُختَلق":
من هذا حديث محمد بن المهاجر عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر العُمَرِي عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ القرآن نظرًا, خفف الله العذاب عن والديه, وإن كانا كافرين) هذا خبر مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, قد حكم عليه بالوضع أبو حاتم, وابن الجوزي, وجماعة. إسناده إلى أبي معاوية كالشمس: ابن عمر صحابي, ونافع من رجال الستة, وعبيد الله بن عمر العُمَرِي من رجال الستة, وأبو معاوية من رجال الستة, والآفة من محمد بن المهاجر.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى"أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب": هذا إذا كان بإسناد ضعيف, وفيه مجازفة, يُحكَم على الحديث بالوضع.