والسر في كون مراسيل سعيد من أصح المراسيل أنه لا يحدث عن الضعفاء, ولا عن المتروكين, وقد فُتِّشَتْ أحاديثه فوُجِدَت مسندة بأسانيد صحيحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ذكر ذلك الشافعي وغيره.
ولم يكن أئمة السلف يمتنعون من قبول مراسيل سعيد. وهم حين يقولون: نقبل مراسيل سعيد, لا يعنون بذلك فقط ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم, بل يقبلونه فيما رواه عن عمر, وعن جماعة من الصحابة الذين أدركهم, وإن كان لم يسمع منهم كل شيء.
وقد سُئِلَ الإمام أحمد رحمه الله: سعيد عن عمر؟
فقال: إذا لم يكن سعيد سمع من عمر, فمن يسمع؟!!.
وهو لا يعني رحمه الله بهذا الكلام أن سعيدًا سمع من عمر كل ما رواه, فهذا بعيد. وإنما عنى بذلك أنه سمع منه بعض الأحاديث, وبقيتها مقبولة, باعتبار أن الأصل في سعيد عن عمر الصحة.
وزيادة في الفائدة فإنه ليس كل حديث حُكِمَ عليه بالانقطاع يُحكَم عليه بالضعف. فهذا الإمام علي بن المديني, وابن أبي شيبة, والدارقطني, والترمذي, والأكابر, يحكمون على مرويات أبي عبيدة عن أبيه بالانقطاع, وأعتقد أن هذا محل إجماع, بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه, ولكن الأئمة يقبلونه, منهم: علي ابن المديني, وابن أبي شيبة, والدارقطني, وجماعة, لأنه يروي بواسطة أهل بيته. ومن ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مقبول, لأنه يروي بواسطة مجاهد, وعكرمة, وسعيد بن جبير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى"ومرسل مسروق":
مسروق هذا هو ابن الأجدع الهمداني, وهو أحد أئمة الفقه في عصر التابعين, ومن كبار أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه توفي سنة اثنتين وثلاثين, وقد مات مسروق سنة ثلاث وستين, ومراسيله جيدة وقوية.