ولا يعني هذا قبول كل مراسيل سعيد, أو مسروق, أو الصُّنابحي.
و"الصُّنابحي"هو عبد الرحمن بن عسيلة, ثقة من كبار التابعين. وقد قيل بأنه قَدِمَ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام.
أو مراسيل"قيس بن أبي حازم"وقد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فَقُبِضَ وهو في الطريق. فروى عن أكابر الصحابة, كأبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وبقية العشرة, باستثناء عبدالرحمن بن عوف.
فلا يعني قبول كل ما يروونه وما يأتون به, فهناك مراسيل كاد يتفق الحفاظ على ردها, كمرسل سعيد بن المسيَّب على عظيم منزلته وكبير قدره, قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر مُدَّيْنِ من حنطة) رواه أبو داود وغيره في المراسيل. هذا مرسل ضعيف, وأهل العلم لا يقبلونه.
ومن ذلك مرسل سعيد في دية المعاهَد بأنها ألف دينار, فهذا مرسل غير مقبول.
فأهل العلم حينما يقولون: نقبل مراسيل سعيد, ومسروق, والصنابحي, وقيس بن أبي حازم, ليس معنى هذا أنهم يقبلون كل شيء. فهم يردون بعض مراسيل هؤلاء الأئمة التي هي مخالفة للأحاديث الأخرى.
ولكن إذا جاء مرسل هؤلاء بما يعتضد بمرفوع آخر, أو بمرسل آخر, أو بقول صحابي, أو جاء من طريق أخرى صحيحة, أو فُتِّشَتْ مراسيله فَوُجِدَتْ مسندة, أو عُلِمَ بالتتبع والاستقراء أنه لا يروي إلا عن ثقة, فهذه المراسيل مقبولة عند العلماء.
قوله"فإن المرسل إذا صح إلى تابعيٍّ كبير, فهو حجة عند خلق من الفقهاء": المرسل إذا صح إلى تابعيٍّ كبير, كهؤلاء المذكورين, فهو حجة عند كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين. واتفاقهم على مراسيل سعيد أكثر من اتفاقهم على مراسيل غيره, وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن سعيدًا لا يحدث إلا عن الثقات.