فَقَدَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ حَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ،وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِهِ،وَقَدَّمَ حَدِيثَ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عَلَى الْقِيَاسِ،وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُضَعِّفُهُ،وَقَدَّمَ حَدِيثَ"أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ"وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ ؛ فَإِنَّ الَّذِي تَرَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مُسَاوٍ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ وَالصِّفَةِ لِدَمِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ،وَقَدَّمَ حَدِيثَ { لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ } - وَأَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ،بَلْ بُطْلَانِهِ - عَلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ،فَإِنَّ بَذْلَ الصَّدَاقِ مُعَاوَضَةٌ فِي مُقَابَلَةِ بَذْلِ الْبُضْعِ،فَمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ جَازَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا .
وَقَدَّمَ الشَّافِعِيُّ خَبَرَ تَحْرِيمِ صَيْدِ وَجٍّ مَعَ ضَعْفِهِ عَلَى الْقِيَاسِ،وَقَدَّمَ خَبَرَ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ مَعَ ضَعْفِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ،وَقَدَّمَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ حَدِيثَ { مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلِيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ } عَلَى الْقِيَاسِ مَعَ ضَعْفِ الْخَبَرِ وَإِرْسَالِهِ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْبَلَاغَاتِ وَقَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ ." [1] "
وقال أستاذنا الخطيب أيضًا [2] :
"وأما ما روي عنه وعن ابن المهدي وابن المبارك:إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا كما روى الخطيب البغدادي بسنده عن الإمام أحمد قوله: إذا روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ،وإذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضائل الأعمال ومالا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد،فإنما يريدون به أنهم يشددون في أحاديث الأحكام فلا يروون إلا ما توافرت فيه شروط الصحة،ويتساهلون بقبول غيرها وروايته عمن خفت فيه هذه الشروط،فنزل إلى درجة الحسن بنوعيه في اصطلاح المتأخرين وهو الذي يقابله الضعيف الذي يعمل به في اصطلاح المتقدمين،إذ لم يستقرَّ اصطلاحُ الحسن في عصرهم بعدُ،ومما يرجح ما ذهبتُ"
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 37-38)
(2) - في كتابه أصول الحديث ص 352- 354