وقال ابن القيم [1] :"وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَيْضًا: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الرَّأْيِ،فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ بِبَلَدٍ لَا يَجِدُ فِيهِ إلَّا صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُ صَحِيحَهُ مِنْ سَقِيمِهِ وَأَصْحَابَ رَأْيٍ،فَتَنْزِلُ بِهِ النَّازِلَةُ،فَقَالَ أَبِي: يَسْأَلُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ،وَلَا يَسْأَلُ أَصْحَابَ الرَّأْيِ،ضَعِيفُ الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ الرَّأْيِ".
ولا عتب عليه في هذا التقديم والاعتبار،لأنه معلومٌ ومقررٌ أنَّ التضعيف ومثله التصحيحَ أمرٌ اجتهاديٌّ،فقد يضبط المغفَّلُ والمختلطُ المتغيِّرُ،وقد يحفظُ سيئ الحفظِ وهكذا .
وإذا فسرنا (الضعيف) بالحَسَن بقسميه،فأيُّ فائدةٍ في هذا التنصيص على الأمام أحمد على أنَّ الحسنَ مقدمٌ على الرأي؟.
إذ أنَّ هذا أمرٌ ثابتٌ مقررٌ،فالحسَنُ حجةٌ في كافةِ وجوهِ الاحتجاجِ،وعلى كلِّ حالٍ فكلامُ الإمامِ (أحمد رحمه الله ) يحمَلُ على ظاهرهِ،وأنهُ يريدُ الضعيفَ المتوسط الضعف،وهو ما يقالُ في راويه ضعيفُ الحديث،أو مردودُ الحديث،أو منكرُ الحديث وما فوقه،مما هو إلى الحسَن أقربُ ،وهو ما يقالُ في أحد رواته ليِّنَ الحديثِ،أو فيه لينٌ ،وهو الملقَّب بالمشبَّه- أي المشبَّه بالحسَن من وجهٍ وبالضعيفِ من وجهٍ آخرَ- وهو إلى الحسَنِ أقربُ ،والله أعلمُ [2] .
رابعا:
ذكرُ البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأصحاب السنن وغيرهم الضعيف لذاته ولغيره يدلُّ على احتجاجهم به،وهو كثير في هذه الكتب [3] .
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 97)
(2) - أفاده الشيخ محمد عوامة (جفظه الله ) نقلًا عن قواعد في علوم الحديث ص97-109 باختصار .
(3) - وهذا يدلُّ على أنَّ المسالةَ موضع إجماعٍ من المتقدمين على جواز العمل بالحديث الضعيف ، لإيرادهم إياه في كتبهم ، واحتجاجهم به ، بما فيهم الإمام البخاري رحمه الله - كما ذكرت من قبل - ,