وأمَّا المذهبُ الثالثُ: فالشروط التي قيَّد بها المتأخرون العمل بالحديث الضعيفِ
فيرَى أستاذُنا الخطيبُ - حفظهُ اللهُ -أنَّ هذه الشروطَ- وإنْ تحققتْ لا تقوَى على جعلِ الضعيفِ مصدرًا لإثباتِ حُكْمٍ شرعيٍّ ،أو فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ،وفي رأيه أنَّ الحديثَ الضعيفَ الذي توفرت فيه هذه الشروط شبهةُ استحبابِ العملِ به منْ بابِ الاحتياطِ ،لا منْ بابِ الإثباتِ.
ثم إنَّ المرءَ يطمئنُّ إلى ما ثبتت صحتُه أكثرَ من اطمئنانه إلى ما تبينَ له ضعفهُ، وإنا لا نتصورُ فضيلةً خلقيةً أو أمرًا في ترغيبٍ أو ترهيبٍ لا يُكتَبُ له الانتقالُ إلينا بطريقٍ صحيحٍ أو حسنٍ ،أو بطرقٍ ضعيفةٍ محتملةٍ ترتقي إلى درجةِ الحسَنِ لغيرهِ - وهو أدنَى درجاتِ القبولِ - لا نتصوَّرُ هذا،بعد أنْ عرفنا الجهودَ التي بذلها العلماءُ منذُ الصدرِ الأولِ،في سبيلِ حفظِ السنَّةِ،وصيانتِها ونقلِها،وبيان صحيحِها من سقيمِها،وجمعِها في مدوناتٍ كثيرةٍ تؤكدُ أنَّ السنَّةَ قدْ حُفظتْ بعناية المسلمينَ عنايةً فائقةً جليلةً،وحسبُنا أنْ نعتمدَ في كلِّ هذا على صِحاحِ الحديثِ وحسانهِ،بعد أنْ عرفنا اختلافَ مفهومِ الضعيفِ بين القدامَى و المتأخرينَ. [1]
ويشكلَ على كلام أستاذنا أن هناكَ أحاديثَ ضعيفةٍ قد ترتقي إلى درجةِ الحسَنِ لغيرها،إذا تتبعنا طرقَها - بل هناكَ أحاديثٌ ضعيفةٌ لم تتَّبعْ طرقُها إلى الآن،ولو تتبعناها لوجدنا لبعضها شواهدَ تقويه - في مصادر حديثيةٍ كادتْ أنْ تنسَى. [2]
وكذلك فإنَّ خيرةَ علماءِ الحديث قد رووا هذه الأحاديثَ - كالإمام أحمد وأصحاب السنن والحاكم والطبري والبيهقي وابن حبان وغيرهم- وهم علماءُ أجلاءُ لا يجوزُ لنا أنْ نغمطَهم حقَّهم .
(1) - أصول الحديث 353-354، ووافقه العلامة أحمد شاكر في الباعث الحثيث ص 91-92
(2) - وقد يسَّر الله لي كثيرا من ذلك في موسوعتي ( موسوعة السنة النبوية ) حيث حسنت وصححت كثيرا من الأحاديث التي كان يظنُّ أنها غير مقبولة ، وذلك بعد تتبعي لطرقها وشواهدها ، أو مناقشة سبب ضعفها .