9-حكمُ رواية العَدْل عن شخص:
أ)- راوية العدل عن شخص لا تعتبر تعديلا له عند الأكثرين وهو الصحيح،وقيل هو تعديل.
ب) - وعمل العالم وفُتْيَاهُ على وفق حديث ليس حكمًا بصحته،وليس مخالفته له قدحًا في صحته،ولا في روايته،وقيل بل هو حكم بصحته،وصححه الآمدي وغيره من الأصوليين،وفي المسألة كلام طويل . [1]
(1) - *وفي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 243) :
[وإذا قال: حدَّثني الثِّقة, أو نحوه] من غير أن يُسميه [لم يُكتف به] في التَّعديل [على الصَّحيح] حتَّى يُسمية, لأنَّه وإن كان ثقة عنده, فرُبَّما لو سمَّاه, لكان مِمَّن جرحهُ غيره بجرح قادح, بل إضرابه عن تَسْميته, ريبة توقع تردُّدًا في القلب.
بل زاد الخطيب: أنَّه لو صرَّح بأن كل شُيوخه ثقات, ثمَّ روى عمَّن لم يُسمه, لم يعمل بتزكيته, لجَوَاز أن يعرف إذا ذكرهُ بغير العَدَالة.
وقيلَ: يُكتفي, فإن كانَ القَائل عالمًا كَفَي في حقِّ مُوافقهِ في المَذْهب عندَ بَعْض المُحَقِّقين
[وقيل: يُكتفي] بذلك مُطلقًا, كما لو عيَّنه, لأنَّه مأمون في الحالتين معا [فإن كان القائل عالمًا] أي: مُجْتهدًا, كمالك والشَّافعي, وكثيرًا ما يفعلان ذلك [كفى في حقِّ موافقه في المَذْهب] لا غيره [عند بعض المُحقِّقين] .
قال ابن الصبَّاغ: لأنَّه لم يُورد ذلك احتجاجًا بالخبر على غيره, بل يذكر لأصْحَابه قيام الحُجَّة عنده على الحكم, وقد عرف هو من رَوَى عنه ذلك.
واختارهُ إمام الحَرَمين, ورجَّحه الرَّافعي في «شرح المسند» وفرضه في صُدور ذلك من أهل التعديل.
وقيل: لا يكفي أيضًا, حتَّى يقول: كل من أروي لكم عنه ولم أُسمه, فهو عدل.
قال الخطيب: وقد يُوجد في بعض من أبهموه الضَّعف لخفاء حاله, كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المُخَارق.
فائدتان:
الأولى: لو قال نحو الشَّافعي: أخبرني من لا أتهم, فهو كقوله: أخبرني الثِّقة.
وقال الذَّهبي: ليس بتوثيق, لأنَّه نفي للتهمة, وليس فيه تعرض لإتْقَانه, ولا لأنَّه حُجَّة.
قال ابن السُّبكي: وهذا صحيح, غير أنَّ هذا إذا وقع من الشَّافعي على مسألة دينية, فهي والتوثيق سواء في أصْلِ الحُجَّة, وإن كان مدلول اللَّفظ لا يزيد على ما ذكرهُ الذَّهبي, فمن ثَمَّ خالفناهُ في مثل الشَّافعي, أمَّا من ليس مثله, فالأمر كما قال. انتهى.
قال الزَّركشي: والعجب من اقْتصَاره على نقله عن الذَّهبي, مع أنَّ طوائف من فُحول أصحابنا صَرَّحوا به, منهم الصَّيرفي والماوردي والرُّوياني.
الثَّانية: قال ابن عبد البر: إذا قال مالك: عن الثِّقة عن بُكير بن عبد الله الأشج, فالثِّقة مَخْرمة بن بُكَير.
وإذا قال: عن الثِّقة عن عَمرو بن شُعيب, فهو عبد الله بن وهب, وقيل: الزُّهْري.
وقال النَّسائيُّ: الَّذي يقول مالك في كتابه: الثِّقة عن بكير, يشبه أن يكون عَمرو بن الحارث.
وقال غيره: قال ابن وهب: كل ما في كتاب مالك: أخبرني من لا أتهم من أهل العلم, فهو اللَّيث بن سعد.
وقال أبو الحسن الآبري: سمعتُ بعض أهل الحديث يقول: إذا قال الشَّافعي: أخبرنا الثِّقة عن ابن أبي ذئب, فهو ابن أبي فُدَيك.
وإذا قال: أخبرنا الثِّقة عن الليث بن سعد, فهو يحيى بن حسَّان.
وإذا قال: أخبرنا الثِّقة عن الوليد بن كثير, فهو أبو أسامة.
وإذا قال: أخبرنا الثِّقة عن الأوزاعي, فهو عَمرو بن أبي سلمة.
وإذا قال: أخبرنا الثِّقة عن ابن جُريج, فهو مسلم بن خالد.
وإذا قال: أخبرنا الثِّقة عن صالح مولى التوأمة, فهو إبراهيم بن أبي يحيى. انتهى.
ونقله غيره عن أبي حاتم الرَّازي.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر في «رجال الأربعة» : إذا قال مالك: عن الثِّقة عن عَمرو بن شُعيب, فقيل: هو عَمرو بن الحارث, أو ابن لهيعة.
وعن الثِّقة عن بُكير بن الأشج, قيل: هو مَخْرمة بن بُكَير.
وعن الثِّقة عن ابن عُمر, هو نافع, كما في موطأ ابن القاسم.
وإذا قال الشَّافعي: عن الثِّقة عن ليث بن سعد, قال الرَّبيع: هو يحيى ابن حسَّان.
وعن الثِّقة عن أسامة بن زيد, هو إبراهيم بن أبي يحيى.
وعن الثِّقة عن حُميد, هو ابن عُلَية.
وعن الثِّقة عن مَعْمر, هو مُطرِّف بن مازن.
وعن الثِّقة عن الوليد بن كثير, هو أبو أسامة.
وعن الثِّقة عن يحيى بن أبي كثير, لعلَّه ابنه عبد الله بن يحيى.
وعن الثِّقة عن يونس بن عُبيد عن الحسن, هو ابن عُلَية.
وعن الثِّقة عن الزُّهْري, هو سُفيان بن عُيينة. انتهى.
وروينا في «مسند» (706) الشَّافعي عن الأصم قال: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم, يريد به إبراهيم بن أبي يحيى. وإذا قال أخبرني الثِّقة, يريد به يحيى بن حسَّان.
وقد روى الشَّافعي قال: أخبرنا الثِّقة, عن عبد الله بن الحارث, إن لم أكن سمعتهُ من عبد الله بن الحارث, عن مالك بن أنس, عن يزيد بن قُسَيط, عن سعيد بن المُسيب: أنَّ عُمر وعُثمان قَضَيا في المِلْطَاة بنصف دية المُوضحة .
قال الحافظ أبو الفضل الفَلْكي: الرَّجُل الذي لم يُسم الشَّافعي هو أحمد بن حنبل.
وفي «تاريخ» ابن عساكر قال عبد الله بن أحمد: كل شيء في كتاب الشَّافعي أخبرنا الثِّقة, فهو عن أبي.
وقال شيخ الإسلام: يُوجد في كلام الشَّافعي: أخبرني الثِّقة, عن يحيى بن أبي كثير, والشَّافعي لم يأخذ عن أحد مِمَّن أدْرك يحيى بن أبي كثير, فيُحتمل أنه أراد بسنده عن يحيى.
قال: وذكر عبد الله بن أحمد: أنَّ الشَّافعي إذا قال: أخبرنا الثِّقة, وذكر أحدا من العراقيين, فهو يعني أباه.
[وإذا روى العدلُ عمَّن سمَّاه لم يكن تعديلًا عند الأكثرين] من أهل الحديث وغيرهم [وهو الصَّحيح] لجِوَاز رِوَاية العَدْل عن غير العدل, فلم تتضمن روايته عنه تعديله.
وقد روينا عن الشَّعبي أنَّه قال: حدَّثنا الحارث, وأشهدُ بالله أنَّه كان كذابًا.
وروى الحاكم وغيره, عن أحمد بن حنبل, أنَّه رأى يحيى بن معين, وهو يكتب صحيفة مَعْمر عن أبَان عن أنس, فإذا اطَّلع عليه إنْسَان كتمهُ, فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس, وتعلم أنَّها موضُوعة, فلو قال لك قائل: أنتَ تتكلَّم في أبَان, ثمَّ تكتب حديثه؟ فقال: يا أبا عبد الله: أكتب هذه الصَّحيفة فأحفظها كلها, وأعلم أنَّها موضوعة, حتَّى لا يجيء إنسان, فيَجْعل بدل أبان ثابتًا, ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس, فأقول له: كذبتَ, إنَّما هي: عن معمر عن أبان, لا عن ثابت .
[وقيل: هو تعديل] إذ لو علم فيه جَرْحًا لذكره, ولو لم يذكره لكان غاشًّا في الدِّين.
قال الصَّيرفي: وهذا خطأ, لأنَّ الرِّواية تعريف له, والعدالة بالخبرة.
وأجاب الخطيب: بأنَّه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه.
وقيل: إن كان العدل الَّذي روى عنه, لا يروي إلاَّ عن عدل, كانت روايته تعديلًا, وإلاَّ فلا, واختاره الأُصُوليون, كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
وعملُ العالم وفُتياهُ على وفق حديثٍ رَوَاهُ, ليسَ حُكمًا بصحَّتهِ, ولا مُخَالفته قدحٌ في صِحَّته, ولا في رُوَاته.
[وعملُ العالم وفُتْياه على وفق حديثٍ رواه, ليسَ حُكمًا] منه [بصحَّته] ولا بتعديل رُواته, لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطًا, أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر.
وصحَّح الآمدي وغيره من الأصوليين أنَّه حكم بذلك.
وقال إمامُ الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط.
وفرَّق ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره.
[ولا مُخَالفتهِ] له [قدح] منه [في صحَّته ولا في رُواته] لإمْكَان أن يَكُون ذلك لمانع من معارض أو غيره, وقد رَوَى مالك حديث الخِيَار, ولم يعمل به, لعمل أهل المَدِينة بخلافه, ولم يَكُن ذلك قَدْحًا في نافع راويه.
وقال ابن كثير: في القِسْم الأوَّل نظر, إذا لم يَكُن في الباب غير ذلك الحديث, وتعرَّض للاحتجاج به في فُتْياه, أو حكمه, أو استشهد به عند العمل بمقتضاه.
قال العِرَاقي: والجَوَاب أنَّه لا يلزم من كون ذلك الباب ليسَ فيه غير هذا الحديث, أن لا يَكُون ثَمَّ دليل آخر من قياسٍ أو إجْمَاع, ولا يلزم المُفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته, بل ولا بعضها, ولعلَّ له دليلًا آخر, وأستأنسَ بالحديث الوارد في الباب, وربَّما كان يرى العمل بالضَّعيف, وتقديمه على القياس, كما تقدَّم.
تنبيه:
مِمَّا لا يدل على صِحَّة الحديث أيضًا, كما ذكرهُ أهل الأصُول, مُوَافقة الإجْمَاع له على الأصح, لجَوَاز أن يَكُون المُسْتند غيره, وقيل: يَدُل, وكذلك بقاء خبر تتوفَّر الدَّواعي على إبْطَاله.
وقال الزيدية: يدل, وافتراق العُلماء بين متأول للحديث ومحتج به.
قال ابن السَّمعاني وقوم: يدل, لتضمنه تلقيهم له بالقَبُول.
وأُجيب باحتمال أنَّه تأوَّله على تقدير صِحَّته فرضًا, لا على ثُبوتها عندهُ.
السَّادسة: روايةُ مَجْهول العَدَالة ظَاهرًا وباطنًا لا تُقبلُ عند الجَمَاهير, وروايةُ المَسْتُور, وهو عدل الظَّاهر, خَفِيُّ البَاطن, يَحْتجُّ بها بعض من ردَّ الأوَّل, وهو قولُ بعض الشَّافعيين.