أما بعد: فإن العسر والتشدّد والتنطّع كثيرًا ما يدعو إليه قلةُ الفقه في الدين، والجهلُ بمقاصد الشرع وأصول الملة وضعفُ العلم. وقد يدعو إليه دوافع من هوى النفوس وفي الحديث الصحيح: (( ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فأوغلوا فيه برفق ) ) [1] ، يقول ابن المنيِّر:"وفي هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطّع في الدين ينقطع، وليس المراد منعَ طلب الأكمل في الدين والعبادة، فإن هذا من الأمور المحمودة، بل المراد منعُ الإفراط المؤدِّي إلى الملل، والمبالغة في التطوّع المفضي إلى ترك الأفضل" [2] .
ومن قلة الفقه في هذا الباب أن يسلك بعض الناس مسالك التشدّد في بعض الظواهر من الأحكام الفرعية والعبادات والطاعات، ولكنه يتهاون في كبائر معلومٍ مراتبُها من الدين كالغيبة والنميمة والقذف والحسد والتماس العيوب للبرآء وتدبير المكايد لمن خالفه من إخوانه والوشاية وأكل أموال الناس بالباطل.
أيها المسلمون، ولا ينبغي أن يُفهم من القول بالتيسير والتحذير من التشديد الدعوةُ إلى التساهل في أمور الدين عقيدةً وأحكامًا وأخلاقًا، أو التنصل من أحكام الإسلام والضعف في نصرة الدين والحق.
وليس من التيسير الإهمال في تربية البنين والبنات، وتركهم نهبًا لزيغ العقائد وتيارات الإلحاد والبعد عن الالتزام بأحكام الإسلام والحفاظِ عليهم من دواعي الفجور واللهو المحرم بحجة التحضّر والبعد عن التعقيد وتغيّر الزمان.
وليس من التيسير ما يسلكه بعض من ينتمون إلى الثقافة حين يدَّعون سماحة الدين أمام أعداء الإسلام، ويتنصلون من أحكام الدين وتعاليمه، ثم هم من أشدّ الناس على الصُّلحاء والأخيار، بل قد يوظِّفون دعوى التيسير أداةً لقمع الدعوة إلى الإسلام وكبت الحق وتكبيله بحجة مسايرة العصر ومتغيرات الزمن.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، ويسِّروا ولا تعسروا، فإنما بعثتم ميسرين، وسددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلُغوا.