إن حفظ المال فيه حفظ الدين والعرض والشرف، والأمم التي لا تمتلك المال لا يحترمها الآخرون، والشخص الذي ليس له قوة من مال أو جاه لا ينظر الناس إليه ولا يأبهون به، ومن أجل ذلك قال الحكماء: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرميْن: الدين، والعِرض (4) .
ولم تحرم الشريعة اكتساب الأموال ونماءها والتزود منها، بل حضت على ذلك؛ ولكنها حرمت الطرق المحرمة في كسبها وإنفاقها.
وإن من الطرق المحرمة في إنفاقها: السرف فيها وإهدارها بغير حق، إما في سفر باذخ محرم، وإما في حفلة زواج باهظة الثمن، وإن ما ينفق من أموال على السفر إلى بلاد الكفر والفجور ليعدل ميزانيات دول كاملة، وما ينفق على حفلات الأعراس التي يلقى فائض أطعمتها في النفايات يساهم في إنقاذ الملايين ممن يموتون جوعًا، وفي كل عام يموت الآلاف من البشر جوعًا؛ فهل من حفظ المال هدره بأي طريقة؟ وهل من شكر الله تعالى على نعمته إنفاقه فيما يسخطه سبحانه وتعالى؟!
لم يكن من هدي السلف الصالح الإسراف وتضييع الأموال؛ بل كانوا مقتصدين ينفقون أموالهم في الحق، ويحفظونها عن الإنفاق فيما لا فائدة فيه. قال الحسن رحمه الله: «كانوا في الرحال مخاصيب، وفي الأثاث والثياب مجاديب» (1) . قال الزبيدي: «أي: ما كانوا يعتنون بالتوسعة في أثاث البيت من فرش ووسائد وغيرها، وفي ثياب اللبس وما يجري مجراها كما يتوسعون في الإنفاق على الأهل» (2) .
لقد كانوا رحمهم الله مع زهدهم وورعهم يعتنون بقليل المال ولا يحتقرون منه شيئًا مع اقتصاد في المعيشة والنفقة؛ ولذا كان القليل من المال يكفيهم.
وقد أبصرت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها حبة رمان في الأرض فأخذتها وقالت: «إن الله لا يحب الفساد» (3) .