كتبه: د. سعد الدين العثماني
الفقه استنباط للمعاني:
اتفقت نصوص الكتاب والسنة على أهمية الفقه بالنسبة للمسلم، وحثت على طلبه وإعلاء شأنه، ففي الصحيحين عن معاوية أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (1) ، والفقه: الفهم؛ فهم معاني الكلام ومراميه وإنزاله منازله.
وثبت في نصوص أخرى أن الفقه ليس هو حفظ النصوص واستعراضها، وإدراك ظواهر ألفاظها، فعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مثل مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أَرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، شربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُه في دين الله ونفعه الله به فَعلم وعَلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) (2) .
فالمستجيبون لما بعث الله به رسوله صنفان: صنف أول: تلقى الهدى والعلم فأنبت منه (الكلأ والعشب الكثير) علما وعملًا، إذ فَجّر من ذلك علمًا وفقهًا كثيرًا نفع الله به، وصنف ثان: نقل الهدى والعلم كما تلقاه، فهو بمثابة الأرض التي يستقر فيها الماء فينفع به الناس.. فالأولون فقهاء والأخيرون حفظة، ولكلٍ دوره ومكانته.
وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلّغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (3) ، وهذا التأكيد نفسه على أن حمل النصوص وحفظها لايصنف وحده الإنسان في دائرة الفقهاء، بل هو في حاجة إلى شروط زائدة: فطرية ومكتسبة.