جرس الهاتف يرن .. فصاح بي وقال: يا شيخ أدرك الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال ..
فرفعت سماعة الهاتف ثم قربتها إلى أذنه ووضعت مخدة تمسكها .. وانتظرت قليلًا حتى أنهى مكالمته .. ثم قال: يا شيخ .. أرجع السماعة مكانها ..
فأرجعتها مكانها .. ثم سألته: منذ متى وأنت على هذا الحال ؟
فقال: منذ عشرين سنة .. وأنا أسير على هذا السرير ..
وحدثني أحد الفضلاء أنه مر بغرفة في المستشفى .. فإذا فيها مريض يصيح بأعلى صوته .. ويئن أنينًا يقطع القلوب ..
قال صاحبي: فدخلت عليه .. فإذا هو جسده مشلولٌ كله ..
وهو يحاول الالتفات فلا يستطيع ..
فسألت الممرض عن سبب صياحه .. فقال:
هذا مصاب بشلل تام .. وتلف في الأمعاء .. وبعد كل وجبة غداء أو عشاء .. يصيبه عسر هضم ..
فقلت له: لا تطعموه طعامًا ثقيلًا .. جنبوه أكل اللحم .. والرز ..
فقال الممرض: أتدري ماذا نطعمه .. والله لا ندخل إلى بطنه إلا الحليب من خلال الأنابيب الموصلة بأنفه ..
وكل هذه الآلام .. ليهضم هذا الحليب ..
وحدثني ثالث أنه مرّ بغرفة مريض مشلول أيضًا .. لا يتحرك منه شيء أبدًا ..
قال: فإذا المريض يصيح بالمارين .. فدخلت عليه ..
فرأيت أمامه لوح خشب عليه مصحف مفتوح .. وهذا المريض منذ ساعات .. كلما انتهى من قراءة الصفحتين أعادهما .. فإذا فرغ منهما أعادهما .. لأنه لا يستطيع أن يتحرك ليقلب الصفحة .. ولم يجد أحدًا يساعده ..
فلما وقفت أمامه .. قال لي: لو سمحت .. اقلب الصفحة ..
فقلبتها .. فتهلل وجهه .. ثم وجّه نظره إلى المصحف وأخذ يقرأ ..
فانفجرت باكيًا بين يديه .. متعجبًا من حرصه وغفلتنا .. وشدة مرضه وحسن صحتنا ..
هذا حال أولئك المرضى ..
فأنت يا سليمًا من الأمراض والأسقام .. يا معافىً من الأدواء والأورام ..
يا من تتقلب في النعم .. ولا تخشى النقم ..
ماذا فعل الله بك فقابلته بالعصيان .. بأي شيء آذاك ..