ومن الناس .. من يستقيم زمانًا على الطاعات .. ويأنس برب الأرض والسموات ..
يتلذذ بمناجاته .. ويحي قلبه بمحبته .. وتأنس نفسه بمعرفته ..
لكنه يرى أهل المعاصي والشهوات .. فيشتاق أن يجرب عيشهم .. ويتمتعَ متعهم .. يظن أنهم سعداء .. فلا يلبث أن يتبين له الكربُ والبلاء ..
ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم أن المسلمين غزو حصنًا من حصون الروم..وكان حصنًا منيعًا..فحاصروه وأطالوا الحصار وتمنع عليهم..
وأثناء حصارهم أطلت امرأة من نساء الروم فرآها رجل من المسلمين اسمه ابن عبد الرحيم ..
فأعجبته .. وتعلق قلبه بها .. فراسلها: كيف السبيل إليك ؟
فقالت: أن تتنصر .. وتصعد إليَّ ..
فتنصّر وتسلل إليها ..
مسكين ظن أن السعادة في امرأة ينكحها .. وخمر يشربها ..
فلما فقده المسلمون اغتموا لذلك غمًا شديدًا ..
ثم طالت بهم الأيام ولم يستطيعوا فتح الحصن فذهبوا ..
فلما كان بعد مدة مرّ فريق منهم بالحصن فتذاكروا ابن عبد الرحيم .. فتساءلوا عنه .. وعلى أي حال هو الآن ؟! ..
فنادوا باسمه: يا ابن عبد الرحيم .. فأطلَّ عليهم ..
فقالوا: قد حصلت ما تريد .. فأين قرآنك وعلمك ؟ ما فعلت صلاتك ؟
فقال: لقد أنسيت القرآن كله .. ولا أذكر منه إلا آية واحدة .. قوله تعالى: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ..
قال الله: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } ..
هذا خبر ابن عبد الرحيم .. أغري بفتنة النساء .. فأشرك برب الأرض والسماء ..
وقد يغرى المرء بالمال .. فيكفر بالكريم المتعال ..
وانظر إلى الأعشى بن قيس ..
فكان شيخًا كبيرًا شاعرًا .. خرج من اليمامة .. من نجد .. يريد النبي عليه الصلاة والسلام .. راغبًا في دخول الإسلام ..
مضى على راحلته .. مشتاقًا للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بل كان يسير وهو يردد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات