فهرس الكتاب

الصفحة 1972 من 2330

واسطة، والله لا يكون ذلك، ثم يتنحى عن أنفس ما لديه؛ عن غنمه، لكن إلى الغنيمة فيلزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمضي معه أينما سار، يأخذ بزمام بغلته، يمضي بين يديه أنَّى اتجه، وكثيرًا ما أردفه -صلى الله عليه وسلم- على دابته، وربما نزل -صلى الله عليه وسلم- عن بغلته ليركب عقبة. جعل يَعُبُّ من مناهل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العذبة حتى غدا مقرئا محدِّثًا فقيها فَرَضِيًا أديبًا فصيحًا شاعرًا، بل كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وكان إذا هدأ الليل، وسكن الكون، انصرف إلى كتاب الله -عز وجل- ليقرأ، فتصغي أفئدة الصحابة لترتيله، وتخشع قلوبهم، وتفيض بالدمع أعينهم من خشية الله -جل وعلا- حتى كان يدعوه عمر -رضي الله عنه- ويقول: اعرض عليَّ شيئًا من كتاب الله، فيجعل يقرأ من آيات الله ما يتيسر وعمر يبكي حتى تبلل الدموع لحيته. قاد الجيوش فكان قدوة قائدة، وولي ولاية فعدل، ورمى وتعلم الرمي، وجاهد وجالد حتى لقي الله مخلِّفًا تَرِكَة المجاهدين الصادقين، ما تركته؟ إنها بضع وسبعون قوسًا، أوصى أن تكون في سبيل الله. فرضي الله عنه وأرضاه، وعن جميع أهل القرآن. صدقوا حتى قيل لأحدهم وقد استغرق طلب العلم وكتابته وتبليغه وقته، قيل له: إلى متى تكتب العلم؟ إلى متى وأنت تكتب في تلك العلوم؟ فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تكتب بعد. ما يدري المرء متى يقول الكلمة فيهدي الله بها خلقًا كثيرًا، ما يدري المرء متى يقول الكلمة أو يكتب الكلمة الصادقة فتنجيه بين يدي الله. صدقوا حتى إن أحدهم لتعاتبه زوجته على كثرة شراء الكتب فيقول هو رادًّا عليها:

وقائلةٌ أنفقتَ في الكتبِ *** ما حَوَتْ يمينُك من مالِ

فقلتُ دعيني لعلِّي أَرَى فيه *** كتابًا يَدُلني لأخذِ كتابِي آمنًا بيميني

صدقوا حتى قيل لأحدهم: بم كنت عالمًا من بين أقرانك وأترابك؟ قال: لأني أنفقت في زيت المصباح لأدرس العلم في الكتب مثلما أنفقوا في شرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت