الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) نعم ، سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، لا بأمر غيره سبحانه وبحمده ، سخرها بأمره تجري ليست وفق رغبات النفوس الأمارة بالسوء ، ولا رغبات الجشعين من الأفراد والهيئات التي استعملت أساطيلها منذ أقدم العصور إلى يومك هذا لقهر الإنسان ونهب خيراته واحتقار آدميته ، فلك الحمد ربنا ، ولك الأمر من قبل ومن بعد ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ، صنع الإنجليز باخرة عظيمة ، كانت كما يقولون فخر صناعاتهم ، ثم انطلقت في رحلة ترفيهية حاملة على متنها علية القوم ونخبة المجتمع كما يصفون أنفسهم ، وقد بلغ الفخر والاعتزاز ببناة السفينة درجة كبيرة من الصلف والغرور فسموها الباخرة التي لا تقهر ، بل سمع أحد أفراد طاقمها يتشدق فخرًا أمام بعض كبار ركابها بما ترجمته: حتى الله نفسه لا يستطيع أن يغرق هذا المركب ، جل الله وتعالى وتقدس لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ،يحيي ويميت ، فإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون وفي اليوم الثالث من سيرها في المحيط الأطلسي وفي خضم كبرياء صناعها وركابها تصطدم بجبل جليدي عائم فيفتح فيها فجوة بطول تسعين مترًا ، وبعد ساعتين وربع تستقر الباخرة التي لا تقهر ـ كما زعموا ـ في قعر المحيط ومعها ألف وخمسمائة وأربع ركاب وحمولة بلغت ستة وأربعين ألف طن ، (فكلًا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا) (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ، تأمل معي أخرى كيف مد الله البحار ، وخلطها ، وجعل مع ذلك بينه حاجزًا ومكانًا محفوظًا ، فلا تبغي محتويات بحرٍ على بحر ، ولا خصائص بحرٍ على آخر عندما يلتقيان ، (إن في ذلك لآياتٍ لأولي النهى) في أنهار عندما تلتقي بمياه البحر ترجع مياهها عائدة إلى مجاريها التي جاءت منها