فسمع عمير بن الحُمام هذا الفضل العظيم وقال: والله يا رسول الله إني أرجو أن أكون من أهلها. فقال (( فإنك من أهلها ) ).
فأخرج عمير ثمرات من جعبته ليأكلها ويتقوى بها، فما كادت تصل إلى فمه حتى رماها وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا حييت حتى آكل تمراتي، فقاتل المشركين حتى قتل.
وعندما حضرت الوفاة معاذ بن جبل قال: مرحبًا بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء عند حِلَقَ الذكر.
ولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال لمن حوله: أخرجوا عني فلا يبق أحد. فخرجوا فقعدوا على الباب فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعافية للمتقين، ثم قُبض رحمه الله.
ولما حضرت آدم بن إياس الوفاة ختم ما تبقى عليه من سور القرآن وهو مسجّى، فلما انتهى قال: اللهم ارفق بي في هذا المصرع، اللهم كنت أؤملك لهذا اليوم وأرجوك. ثم قال: لا إله إلا الله وقضى.
ولما حضرت الوفاة أبا الوفاء بن عقيل بكى أهله، فقال لهم: لي خمسون سنة أعبده، فدعوني أتهنّى لمقابلته.
قال أنس بن مالك: ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن.
أول يوم يجيئك البشير من الله، إما برضاه وإما بسخطه.
واليوم الثاني يوم تعرض فيه على ربك أخذًا كتابك إما بيمينك وإما بشمالك.
وأول ليلة: ليلة تبيت فيها بالقبر.
والليلة الثانية: ليلةٌ صبيحتُها يوم القيامة.
وقال المزني دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء عملي ملاقيا. وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري: روحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها. ثم بكى.