وأما أصحاب الآخرة الذين يريدون الجنة الذين يبحثون عن السعادة الحقيقية فهم الذين يجعلون حياتهم وقفا على معرفة الله ومرضاته، وإرادتهم مقصورة على محابه فتنافسهم في الدنيا من أجل تحصيل النعيم المقيم في الدار الآخرة وهذه الهمة أعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون، فهو مطلب يستحق المنافسة وهو أفق يستحق السباق والتنافس هو التسابق والتغالب وأصله من المنافسة وهي مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم.
ومن عجب أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعا حتى يصل بهم الحال إن قتل أحدهم في سبيل الله يقول في لحظة فراقه للدنيا: (فزت ورب الكعبة) . إنه الفوز بالشهادة لدخول دار الكرامة بل يصل الأمر ببعضهم أن يشم رائحة الجنة ويأتيه من روحها ونسيمها وهو في هذه الدار كما حدث لأنس بن النضر في أُحدٍ عندما قال: إني لأجد ريح الجنة دون أحد فقاتل حتى قتل ، بينما التنافس في أمر الدنيا ينحط بنا جميعا، والسعي لنعيم الآخرة يصلح الأرض ويعمرها ويطهرها للجميع، والسعي لعرض الدنيا يدع الأرض مستنقعا وبيئًا تأكل منه النفوس الحاقدة والدنيئة بعضها البعض، أو تنهش فيه الهوام والحشرات جلود الأبرار الطيبين، والتنافس في نعيم الآخرة يجعل الدنيا مزرعة للآخرة مما يجعل منها عبادة تحقق غاية وجود هذا الإنسان كما قررها الله سبحانه وهو يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ، وإن قوله: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون لهو توجيه مد بأبصار أهل الأرض وقلوبهم وراء رقعة الأرض الصغيرة الزهيدة إلى الدار الآخرة، كما كان يفعل أبو مسلم الخولاني عندما كان يقوم الليل فإذا تعبت قدماه ضربها بيديه قائلا: أ يحسب أصحاب محمد أن يسبقونا برسول الله والله لنزاحمنهم عليه في الحوض، فهو يريد المنافسة ويريد أن يزاحم صحابة رسول الله في الدار الآخرة، وهنيئا له بهذه المنافسة الشريفة.