أخيتي , لا تغترّي بصموت أهل المقابر , فكم من نفس فيها تحاسب ! وكم من نفس فيها تفتن ! وكم من نفس فيها تعذب ! وكم من قبر فيها يضيق فتختلف ضلوع صاحبه.
لو تكلم القبر لقال:
أنا بيت الظلمة , أنا بيت الوحدة , أنا بيت الوحشة , أنا بيت الغربة , أنا بيت الدود والهوان , نزعتُ الكفين من الكوعين , والفخذين من الركبتين , والركبتين من الساقين , والساقين من القدمين , لو رأيتم الميت بعد ثلاث ليالٍ في بطني لاستوحشتم منه , سالت مقلتيه على خديه , وتقلصت شفتاه عن أسنانه , وخرج الصديد والدم من الأنف والفم , انتفخ بطنه وعلا صدره , فرحماك ربي ! رحماك ربي !
زيادة المرء في دنياه خسران وربحه غير محض الخير خسرانُ
يا عامرًا لخراب الدار مجتهدًا بالله هل لخراب الدار عمرانُ ؟
زيّنا الفلل , ركبنا المراكب البهية الرضية , عندنا مناصب ووظائف .. لكن ماذا فعلنا في القبور ؟
أتعرف قبر الملك من المملوك ؟ أتعرف قبر الغني من الفقير ؟
أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر ؟
تفانوا جميعًا فما مخبرٌ وماتوا جميعًا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناسٍ مضوا أمالك فيما مضى مُعتبَر ؟
مالنا لا نفكر ؟ مالنا لا نتدبر ؟ مالنا لا نعدّ إعدادًا جيدًا للقاء الواحد الأحد ؟
( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .
قال أبو نعيم في الحلية:
كان مطرف بن عبد الله أحد الصالحين يزور المقابر فيبكي ويدعو لهم , وفي ليلة من الليالي ما زارهم .. كانت الليلة باردة ممطرة فترك زيارتهم , فرأى في المنام كأن رجلًا من أهل المقابر من المسلمين يقول: