فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 2330

ولكننا بعد إسلامها نراها امرأة أخرى … نراها أُمًا تقدم فلذات كبدها إلى الميدان، أي ميدان الموت راضية مطمئنة بل محرضة دافعة لهم، روى المؤرخون أنها شهدت حرب القادسية بين المسلمين والفرس تحت راية القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان معها بنوها الأربعة. فجلست إليهم في ليلة من الليالي الحاسمة، تعظهم وتحثهم على القتال والثبات وكان من قولها لهم: أي بنيّ، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيّرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية. والله تعالى يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] . فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، تظفروا بالغنم في دار الخلد…، فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية، وأنوف حمية، إذا فتر أحدهم ذكّره إخوته وصية أمهم العجوز، فزأر كالليث وانطلق كالسهم، وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحدًا بعد واحد.

وبلغ الأمَّ نَعْيُ الأربعة الأبطال في يوم واحد، فلم تلطم خدًا ولم تشق جيبًا، ولكنها استقبلت الخبر بإيمان الصابرين، وصبر المؤمنين وقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت