هذه واحدة، والأخرى ليس لها إلا أيام قليلة سمعتها من أحد إخواني في الله يقول: كنتُ كغيري من سائرِ الشباب، وفي ليلةٍ من الليالي التي كنتُ أسهرُ فيه مع أحبابي وأصدقائي، ومن بينهم واحد من الأحبة، ومن بينهم حبيب إلي، أعزُ صديقٍ إلى قلبي وأقربُ قريب إلى فؤادي.
بينما أنا وإياه إذ به فجأة يصرخ: فلان أدركني، فقلتُ ما الذي بك؟ قال إني أحسُ بشيءً في قلبي.
قال: فدنوتُ منهُ فإذا هو يتلبط ويقول:ُ أسرع لي بطبيب، فناديت واتصلت بمن يحضرُ لنا طبيبًا. وكانتِ الفترةُ لا تتجاوز خمسة عشر دقيقة أو عشرين دقيقة ونحن ننتظر وصول الطبيب.
وفي تلك الدقائقِ وهو يقول إني أحس بالفراق. إنها النهاية. إنها الخاتمة. سأفارقُ الدنيا. سأتركُ طفلي. سأتركُ زوجتي. سأفارقُكم.ستضعوننَي في كذا. ستتركونَني وحدي.
وأخذ يمرُ عليه سجلَ ذكرياتِه. وأخذتَ تتقلبُ أمامَه صحائفَ أفعاله. قال وأنا أنظرُ إليه وكلي وحشةُ ودهشة، وكلي عجبُ وغرابةُ، وأنا أنتفضُ ويحاسبُ نفسَه ويعاتِب روحَه.
وأنا والله أصبرهُ و أنا أشدُ ألمًا منه، وأشد استعراضًا لما يكون في حياتي.
فأخذت أتقلب في ذلك الموقف. وما هي إلا ستة عشر دقيقة تزيد أو تنقص قليلًا حتى فاضت روحُه.
وذهبنا وأحبابنا وأقاربنا وأصحابنا نضعُ قريبَنا وصديقنا وأعز أحبابَنا وأجل أقاربنا، نضعُه في مثواه الأخير، ونواري عليه التراب.
أحبُ الأحبابِ هو الذي منا يتقنُ اللحد أن لا يتسربَ إليه ذرة هواءٍ أو إشعاعُ نورٍ، ثم ما برحنا أن نهيل عليه التراب، ثم ودعناه في مثواه الأخير، وانصرفنا.
شاب من مدة ليس بالقريبة حدثني عن أحد الشباب في ما تسمى ببانكوك قال:
لقد كان في ضلالة، وقد كان في بلاء، وقد كان في أمر لا يفيق من جرائه من المخدرات أو الشراب، وما صاحب ذلك من مصاحبة البغايا والفاجرات.