فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهو وادع النفس، منشرح الصدر، مطمئن القلب، يعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق، لعلمه أن الجنة حُفَّت بالمكاره، يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه في سبيل الله. أو قتلهم إن كانوا أعداء الله.
فلم يكن في سبيل الله تأخذه ملامة الناس والرحمن مولاه، فإذا بأحدهم يتلقى سنان الرمح بصدره، فيخرج من بين ثدييه، الدماء تثعب منه ينضح من هذه الدماء على وجهه وجسده ويقول وقد ذاق بلسم الحياة: فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة، حتى قال قاتله: فقلت في نفسي: ما فاز، ألست قتلت الرجل! فما زال يسأل حتى أُخبر أنه فاز بالشهادة وبما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فقال قاتله: فاز لعمر الله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إن بعض النفوس، تظل في شك من مصداقية هذا الدين، حتى ترى قسمات الفرح بادية على وجوه أفراده بشرًا وسرورًا وسكينة واطمئنانًا، وهم يواجهون الموت في سبيله!.
لنقاءٍ ونماء ولإيمان وثيق *** قتلهم في الله أشهى من رحيق
فازوا من الدنيا بمجد خالد *** ولهم خلود الفوز يوم الموعد
ويستطيل الآخر حياته، فيلقى قوت يومه من تمرات، يوم سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:"قوموا إلى جنة عرضها الأرض والسماوات"يقول: لئن بقيت إلى أن آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة! ثم يتقدم للموت فرحًا مسرورًا.
آية المؤمن أن يلقى الردى *** بَاسِم الثغر سرورًا ورضى
ليس يدنو الخوف منه أبدًا *** ليس غير الله يخشى أحدًا
ويلبس [بلال] -رضي الله عنه- أدرع الحديد، ويصرف في الشمس يئن تحت وطأة صخرة عظيمة، فوق رمضاء قاسية في يوم قائظ في ، وأهل أدرى بقيظ مكة، يراود على كلمة الكفر، وفي الميسور عليه أن يقولها لو أراد، وقلبه مطمئن بالإيمان، لكنه ذاق حلاوة الإيمان، فمزجها بمرارة العذاب والحرمان، فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب، فأطلقها كلمات تنقطع لها قلوب معذبيه حنقًا وغيظًا؛ ليرغم أنوفهم بها