وأجرى له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول؛ لبنًا خالصًا سائغًا، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطع الطريقان بالفطام، فتح طرقًا أربعًا أكمل منها، هما طعامان وشرابان؛ فالطعامان من حيوان ونبات؛ والشرابان من مياه وألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ، فإذا مات وانقطعت عنه هذه الطرق الأربع، فتح الله له إن كان سعيدًا طرقًا ثمانية؛ هي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، نسأل الله من فضله.
فالله لا يمنع عبده المؤمن شيئًا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع، وليس ذلك لغير المؤمن، إن الله يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ليعطيه الأعلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه وكرم ربه ورحمته لا يعرف التفاوت بين ما مُنع منه وما ادخر له، بل هو مولع بحب العاجل، وإن كان دنيئًا وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليًا، ولو أنصف العبدُ ربه وأنَّى له بذلك، لعلم أن فضله عليه فيما منعه في الدنيا ولذاتها أعظم من فضله عليه فيما آتاه منها. فما منعه إلا ليعطيه، وما ابتلاه إلا ليعافيه، وما امتحنه إلا ليصافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب للقدوم عليه، ويسلك الطرق الموصلة إليه (وجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) وأبى الظالمون إلا كفورًا والله المستعان.
أيها المؤمنون، إن الحديد إذا لم يستعمل غَشِيه الصدأ حتى يفسده، فكذلك القلب، إذا عُطِّل عن الإيمان بالله وحبه وذكره والإقبال عليه بالعمل الصالح غلبه الجهل والهوى والران حتى يميته ويهلكه؛ فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، مربادًا أسود كالكوز مجخيًا .
فيا أيها المؤمنون، ويا شباب الأمة -خاصة- الإيمان بلسم الحياة؛ فسيروا في ركابه تسعدوا.
سيروا فإن لكم خيلا ومضمارًا *** وفجروا الصخر ريحانًا ونوَّارًا
سيروا على بركات الله وانطلقوا *** فنحن نُرْهِف آذانًا وأبصارًا
وذكرونا بأيام لنا سلفت *** فقد