لما تولى عمر بن عبد العزيز، وخطب خطبة الخلافة، ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، من لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن مني أي بني، فدنا منه فالتزمه، وقبل بين عينيه وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني. فخرج ولم يقِل، وأمر مناديا له أن ينادي، ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.
وقال بعض الناس: دخلنا على عطاء السلمي، نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال: الموت في عنقي، والقبر في يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي، ثم بكى بكاء شديدا، حتى أغشى عليه، فلما أفاق قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين.
ودخل المزني عند الإمام الشافعي، في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت عن الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا وعلى ربي ـ سبحانه وتعالى ـ واردا، ولا أدري أروحي صائرة إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها.
قال بعض الحكماء: مازالت المنون ترمى عن أقواس، حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة الأبؤس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرؤس، فمن عامل الدنيا خسر، ومن حمل في صف طلبها كسر، وإن خلاص محبها منها عسر، وكل عاشقيها قد قيد وأسر مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب:32] .