تغلي بهم كغلي القدور وهم يهتفون بالويل ويدعون بالثبور: يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22] .
يتفجر الصديد من أفواههم، وتتقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود عيونهم وأهدابهم، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء:56] .
أمانيهم فيها الهلاك، ومالهم من أسرها فكاك.
فما حال دارٍ أماني أهلها إذا تمنوا فيها، الموت؟
ما حال دار أماني أهلها إذا تمنوا فيها، أن يموتوا؟
كيف بك إذا رأيتهم وقد اسودت وجوههم فهي أشد سوادًا من الحمم. وعميت أبصارهم، وأبكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، يمشون على النار بوجوههم، ويطئون حسك الحديد بأحداقهم. ينادون من أكنافها ويصيحون من أقطارها: (( يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك قد تفتت من الكبود، يا مالك العدم خير من هذا الوجود ) ).
فيجيبهم بعد ألف عام بأشد وأقسى خطاب وأغلظ جواب: إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ [الزخرف:77] .
فينادون ربهم وقد اشتد بكاؤهم وعلا صياحهم وارتفع صراخهم: قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:106-107] .
فلا يجيبهم الجبار جل جلاله إلا بعد سنين، فيجيبه بتوبيخ أشد من العذاب: قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون:108] .