صلى الله عليه وسلم ذلها وانكسارها ، وفجيعتَها بولدها ، التفت إليها وقال:
ويحك يا أم حارثة أهبلت ؟! أوجنةٌ واحدة ؟! إنها جنان ، وإن حارثة قد أصاب الفردوس لأعلى ..
فلما سمعت العجوز الحرى هذا الجواب: جف دمعها ، وعاد صوابها ، وقالت: في الجنة ؟ قال: نعم .
فقالت: الله أكبر .. ثم رجعت الأم الجريحة إلى بيتها ..
رجعت تنتظر أن ينزل بها هادم اللذات ..ليجمعها مع ولدها في الجنة ..
لم تطلب غنيمة ولا مالًا ، ولم تلتمس شهرة ولا حالًا ، وإنما رضيت بالجنة ..
ما دام أنه في الجنة يأكل من ثمارها الطاهرة ، تحت أشجارها الوافرة ، مع قوم وجوههم ناضرة ، وعيونهم إلى ربهم ناظرة ، فهي راضية ، ولماذا لا يكون جزاؤهم كذلك ..
وهم طالما يبست بالصيام حناجرهم ، وغرقت بالدموع محاجرهم ..
طالما غضوا أبصارهم عن الحرام ، واشتغلوا بخدمة العزيز العلام ..
فهم في جنة ربهم يتنعمون ] على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزِفون * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون * جزاء بما كانوا يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما [
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأينما سرت في ركب الصالحين لتجدن طلب الجنة يملأ قلوبهم ويشغل نفوسهم .. قد تعلقت بها أرواحهم حتى لم تقم لغيرها وزنا .. فهان عليهم كل شيء في سبيل الوصول إليها ..
أبو الدحداح ثابت بن الدحداح .. كان له نبأ عجب ..
روى البخاري ومسلم عن أنس y: أن غلامًا يتيمًا من الأنصار كان له بستان ملاصق لبستان رجل منذ سنين ، فأراد الغلام أن يبني جدارًا يفصل بستانه عن بستان صاحبه ..
نعم خرجت أم الدحداح وخرج أبو الدحداح وتركوا البستان والأشجار ، وفارقوا الظلال والثمار
نقلوا عيشَ دنياهم من الحدائق إلى المضائق ،
تركوا الشهوات ،