وهو هو بذاته القدس من غير انتقاص ولا إفك. أنت أنت بحقيقتك التى يتمثل فيها الافتقار والنقص وهو هو بحقيقته التى ينبغى لها كل تنزيه وتمجيد. ولكن النفس الإنسانية قد تلجأ إلى الخداع والتمويه، فترى الإنسان يؤثر الكبرياء على التواضع ويزعم أنه مستغن بنفسه عن عناية السماء، ويحاول إيهام الآخرين أنه ـ من ذاته لا من مصدر آخر ـ قد نشأ وتمول وساد. ويوغل في ادعائه فيرفض كل نصح يذكره بأنه أحد عبيد الله المنتشرين على ظهر هذه الغبراء، يتعرضون للسراء والضراء فتنة وتمحيصا، لا فضلا وتخصيصا... إنه في نظر نفسه ليس ثمرة المن الإلهى، إنه ابن نفسه فما لديه ثبت له لأنه حقه!! (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) . لماذا تكون الحسنى لك إذا رجعت إليه وقد كنت به كفورا؟ إنه شعور غبى، إنه يظن نفسه هى التى سودته في الدنيا، وستسوده كذلك في الأخرى، لأنه أهل السيادة ورثها كابرا عن كابر. أجل هو عريق النسب ـ ولو كان ابن الصعاليك ـ فهكذا يتصور الأغرار الأمور، وهكذا تفسد النفس فتفسد أحكامها على كل شىء... والله عز وجل يمقت من عباده أولئك الصنف الذين يعمون عن أنفسهم وعن ربهم. لقد خلق الناس ليعرفوه ويحمدوه لا ليجهلوه ويجحدوه. فإذا شردت الأمم عن الجادة صب عليها سوط عذابه لتعترف بعبوديتها وتثوب إلى رشدها. قال تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) . فإذا أبت إلا المضى في غوايتها ولم تعتبر مما مسها أمضى فيها عقوبته كاملة ورفض أن يذيقها رحمة: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون * ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون * حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون) . إن الله يقترب برحمته ممن يقفون عند منازلهم الإنسانية ويوقرون ربهم سرا 130