وأمره وغيره بالصيام، وقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. وأمر آخر بأن لا يغضب. 068
وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله. ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هىء له، فإذا استفرغ وسعه بز على غيره وفاق الناس فيه كما قيل: مازال يسبق حتى قال حاسده هذا طريق إلى العلياء مختصر وهذا كالمريض الذى يشكو وجع البطن مثلا إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به، وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه. فالشح المطاع مثلا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها. وكذلك داء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد. وإنما يزيله إخراجه من القلب بضده. ولو قيل: أيهما أفضل، الخبز أو الماء؟ لكان الجواب: أن هذا في موضعه أفضل، وهذا في موضعه أفضل. كذلك فنون العبادات...""
جمهرة الناس تغلبهم طبيعة العيش، وضرورات النفس والأولاد، وظواهر الحياة الدنيا، فتراهم منصرفين بأفكارهم ومشاعرهم إلى تأمين حاضرهم والاحتباس في نطاقه الضيق. ولو أنك تسمعت الضجة التى تسود أرجاء العالم، وحاولت استبانة معناها ما وجدت إلا بغام الغرائز المهتاجة تريد إثبات نفسها وتحقيق رغباتها. أما منطق الإيمان خلال هذا الضجيج العالى فهو همس لا يكاد يبين. إن كان ذلك بين الأمم الكافرة بالله ـ وهى اليوم ألوف مؤلفة ـ فالأمر ظاهر، كيف تذكر من تجهل؟ أو من تجحد؟ وإن كان بين جماهير المؤمنين، فإن معرفتهم لله كامنة في طواياهم، قد تحركهم 069