السائر، ويعجز عن المسير ـ فقد وقف عند مرتبة من الثقافة تحتاج إليها الأمة في الجملة، وإن كانت به قوة، ومضى في السير حتى وصل إلى أقصى الغايات فإنه سيحرز من الكفاية ما يرشحه 06 ص
لأداء فروض كفائية أخرى رفيعة القدر في شئون الدين والدنيا. قال الشاطبى ـ ونلتزم هنا النص الحرفى ـ: فأنت ترى أن الترقى في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد، ولا هو على الكافة بإطلاق، أو على البعض بإطلاق، ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل أو العكس، بل لا يصح أن ينظر فيه بنظر واحد... حتى يفصل بنحو من التفصيل، ويوزع في أهل الإسلام في مثل هذا التوزيع، وإلا لم ينضبط القول فيه بوجه من الوجوه، والله أعلم وأحكم. وقريب من كلام الشاطبى في توزيع الأعمال على من يحسنونها وفق استعداداهم النفسى والعقلى ما قاله ابن القيم في تغاير التكاليف والواجبات بالنسبة إلى ميول الأشخاص ومواهبهم. قال:"فالغنى الذى بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شىء منه، فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة. والشجاع الشديد الذى يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع. والعالم الذى قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر: مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح. وولى الأمر الذى قد نصبه الله للحكم بين عباده، جلوسه ساعة للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإقامة الحدود، ونصر المحق، وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره. ومن غلبت عليه شهوة النساء، فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته. وتأمل تولية النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ"لعمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد، وغيرهما من أمرائه وعماله، وترك تولية أبى ذر، بل قال له: إنى أراك ضعيفا، وإنى أحب لك ما أحب لنفسى، لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم.