وكم من مقل بات قرير العين لأنه يرى ما لديه كافيا شافيا، ولذلك يقول الشاعر: غنى النفس ما يكفيك من سد خلة فان زدت شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وفى تجاربنا مع الناس رأينا نقائض تستدعى التأمل... هذا رجل له مال وبنون، طال أجله، وأدبر شبابه، وكان يجب أن يتهيأ للآخرة بزاد الحسن. إنه لو قتل في سبيل الله ما ترك وراءه شيئا يخاف عليه، لا الزوجة العجوز ولا الأولاد الكبار. ومع هذا فإنه شيطان أخرس، يفرق من كلمة حق، ويوجل من موقف شرف، ويتشبث بأذيال الحياة طالبا المزيد!! على حين رأينا شبابا لهم آمال وعليهم أعباء، ومثلهم لو توثقت علائقه بالدنيا ما كان في سيرتهم عجب. ومع هذا يذهلون عن الدنيا المقبلة، ويتركون الذرية الضعاف لكفالة الله، ويقبلون على مواقف الاستشهاد بنبل وجلال. إن الأحوال النفسية، لا مستويات المعيشة، هى التى تصنع الناس. وإذا كان لهذه المستويات عمل فهو أنها عنصر مساعد، أو لعل هذه المستويات هى التربة التى تنضج شتى البذور، فتبلغ بالورد تمامه، وبالشوك منتهاه من غير أن تخرج بعنصر عن طبيعته... إننا نسمع صراخا طويلا لرفع مستوى المعيشة، وأنا بين الذين رفعوا عقائرهم بقوة لمحاربة البؤس والمسكنة. ولكن يجب أن يفهم الماديون أن الحياة الإنسانية الآن أفقر إلى الأخلاق منها إلى الأرزاق، وأفقر إلى تقدير قيمها الروحية منها إلى تقدير قيمها المادية، وأفقر إلى ذكر الله منها إلى ذكر ما سواه.
"متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فيك فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم"صلة المؤمن بالله هى أساس أمنه أو قلقه، وفرحه أو أساه، أما صلته بالناس 133