بالحق أنزلناه و بالحق نزل و ما أرسلناك إلا مبشرا و نذيرا) . وكذلك يستحيل أن يلحقه تعديل أو تبديل فإن اجتياز دائرة الحق إلا الدخول لا معنى له في دائرة الباطل، ولذلك يقول جل شأنه (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) . 090
وخير للناس أن يستبينوا رشدهم في صفحات الكتاب الذى استوعب أصول هذا الدين القيم، واستوعب إلى جانب ذلك كل ما يضمن للعالم الخير والازدهار. إنه الأثر السماوى الفذ، الذى بقى مستعليا على التحريف والتغيير، يصل الإنسان بنسبه السماوى العريق، ويرتفع به عن مستوى التراب، وآمال التراب! لقد تألقت مواهب الإنسان العقلية في عصور مضت، وازداد وهجها ازديادا عظيما في هذا العصر، وخيل للإنسان أن مكاسبه من وراء هذا الارتقاء الفكرى البحت لا تقدر، بل خيل إليه أنه أصبح ـ بهذا الجانب العقلى المبتور ـ سيد الوجود حقا.. ولو أننا تأملنا في حصاد هذا الطور التقدمى من حياة الإنسان لراعنا منه أن كفة الخسائر طافحة، وأن الإنسان خسر نفسه وبذل أنفس ما فيه كى يحصل على الحطام الفانى، ولم يرجع من وراء هذا الكفاح الخسيس إلا بالتضحيات والبلايا: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) . إن الإنسان يكون وفيا لنسبه السماوى، يوم يكرس قلبه ولبه لله.
الدين مدرسة لتعليم الكمالات، وغرسها في النفوس، وأخذ الناس بها حتى تنضج في أحوالهم وأعمالهم. إنه يعرف الناس بربهم أولا، لكنه لا يصلهم بالله على ما بهم من أثرة وشراهة، وبغى واعتداء، بل يغسل عن قلوبهم هذه الأوضار ويشرع لهم من العقائد والعبادات، والأخلاق والمسالك ما يدربهم على فعل الخير وحب المعروف وتحسين الحسن وتقبيح القبيح. وما نزعم أن كل منتم إلى الدين يحرز ما يراد له من أنصبة الكمال، وإنما نؤكد أن الدين يستهدف الكمال النفسى لأتباعه قاطبة، وأنه كالمستشفى يقبل كل