والغريب أن ناسا فهموا من النهى عن الاغترار بالعمل أنه إسقاط لقيمة العمل جملة! وسار الأمر في أدمغتهم على هذا النحو، والعمل لا يدخل الجنة، فلا ينبغى أن تتعلق الهمم به، فلا ضرورة لبذل المجهود فيه!!! ثم قرروا بعد ذلك أن العمل الصالح ليس طريق الجنة وأن الجنة هبة من الله يمنحها من يشاء ولو-لم يعمل خيرا قط. بل ذهبت الغفلة ببعض المتكلمين إلى الزعم بأنه يجوز أن يدخل الأشرار الجنة وأن يدخل الأخيار النار. وهذا لغو من القول، وغباء في الفكر، وافتراء على الله والمرسلين. وليت شعرى ما يكون موقف هؤلاء عندما يقول الله للمؤمنين يوم الحساب (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون * لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون) ... ثم يستتلى الكلام الإلهى (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين)
"من علامة اتباع الهوى، المسارعة إلى نوافل الخيرات، والتكاسل عن القيام بالواجبات". الفروض التى يجب أداؤها كثيرة ومنوعة، وهى في العبادات محدودة كما وكيفا ولكنها في العادات مفتوحة الدائرة متطورة الأداء. والمسلم مطالب بكل الواجبات التى ارتبطت بعنقه، ولا يجوز أن يوجه نشاطه إلى نافلة ما قبل أن يستكمل هذه الواجبات أولا. إن الواجبات والنوافل أشبه بالضرورات والمرفهات، والمرء لا يشترى لنفسه عدة زجاجات من العطور وهو وأهله بحاجة إلى أرغفة من الخبز، سد الجوع أولى من هذه الزينات. وقد رأيت ناسا من أهل الدين يذهلون عن هذه الحقيقة، وحكى لى أحدهم أنه حج عدة مرات وهو بسبيله إلى حجة جديدة، لن تكون الأخيرة... 125