وهذا الطراز من الناس ـ وما أكثره بيننا ـ أدنى إلى الدواب التى لا تحس إلا ما تحتاج إليه، فأما ما تكلف به فهى لا تعرفه إلا من لذع السياط... فإذا تجاوزت ما يتعامل به الناس من حقوق وواجبات إلى العلاقة بين الناس ورب الناس وجدت الأمر أنكى. الناس وراء لقمة الخبز يكاد يصيبهم مس؟ مع أن الله لو وكل رزق الخلائق إلى قواها لبادت. إنه ضمن الأرزاق لعباده، وأجرى مصادرها بين أيديهم رخاء. ومع هذا فهم مكروبون في طلب العيش الذى كفل لهم، أما إحسان الصلة بالله وتوجيه الفكرة إليه، والتعاون مع الآخرين على إقامة دينه والتزام حدوده فهو ما يقصرون فيه، أو ينصرفون عنه. إن الله أراحهم من هموم الرزق، وكلفهم بشئون العبادة، فتكلفوا هم هموم الرزق واستراحوا من شئون العبادة. الله يقول: (و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) . وهؤلاء يصيحون، وأهلوهم معهم الخبز، الخبز...!!، ناسين الله وناسين وعده بالإغناء والتيسير، لا شغل لهم إلا طلب الدنيا. وهذه الدنيا نفسها لا تجئ إلا من لدن الله الذى تركوه...!! ما تقول في امرئ يتقاعس عندما يحتاج الأمر إلى همة ونشاط، ويهتم وينشط عندما يكون الأمر قريبا من أصابعه؟. إن هذا المسلك مع الله دليل انطماس في البصيرة.
"ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه". هذه الكلمة أفضل توجيه لمن يريدون الظهور على عجل، ومن يتوهمون أن نصيبا قليلا من المعرفة والخبرة كاف في الترشيح لقيادة الجماهير، والصدارة بين الناس، وهؤلاء في الحياة لا حصر لهم. إن منصب الإمامة في آفاق الدنيا أو في آفاق الدين يتطلب صبر السنين، وتغضين الجبين. 10