إن الإيمان المجرد ينبت شعورا بالخضوع لله. خضوعا تمتزج فيه الرغبة والرهبة. وليس في هذا عجب. فإن الذى يعرف عظيما من البشر يحس نحوه بالإعزاز والانقياد. فكيف بمن عرف الله وفقه صفاته العظمى وأسماءه الحسنى؟ إن الخضوع المطلق يفعم فؤاده، ويجعل مبدأ السمع والطاعة أساس صلته به. وأيا ما كان الأمر فإن الدين ليس معرفة التمرد وشق عصا الطاعة، هو التسليم التام لله، والإنفاذ الكامل لما حكم به. (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وكلمة الإسلام في مدلولها اللغوى، وفى مصطلحها الشرعى تعنى هذا. إنها لا تعنى الخضوع الجزئى، أو الخضوع المشروط، أو الخضوع الكاره. إنها خضوع لله، ينقل الإيمان المستكن في القلب إلى عمل تصطبغ به الجوارح. ويترجم اليقين الخفى إلى طاعة بارزة في الحياة الخاصة والعامة. وهذا الذى نقول يظهر في أركان الإسلام التى ذكرها الحديث المشهور، كمأ يظهر في سائر شرائعه المبينة في الكتاب والسنة.
وأول شرائع الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وهذه الكلمة العظيمة تعنى شيئا فوق الإخبار المعتاد، إنك حين تذهب إلى ساحة القضاء فتذكر ما تعرف في قضية معروضة لا تقصد مجرد الإخبار. إنك بما تقول تحق حقا كاد الباطل يغلبه، وتخذل باطلا كاد يروج وينتصر، إن الإخبار المجرد قد يكون قصصا مسليا، وقد يكون حكما جادا. وشهادة التوحيد حين ترسلها في ساحة الحياة فأنت بهذه الشهادة لا تطلق خبزا هو بعض ما يتداوله الناس من كلام أو يتناقلونه من حديث. إنها شهادة تعنى إحقاق حق وإبطال باطل. إنها شهادة تعنى أنك قررت المضى في الحياة وفق خطة تنابذ الشركاء العداء وتقر 048