فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 220

ذلك مثل العمل الصالح يهلك بسوء التعقيب عليه (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون)

والصفوة الذين نعنيهم هم قوم رسخت في مقام الإحسان أقدامهم، فهم بين مراقبة وشهود. حياتهم يبرق عليها سنا من صدق المعرفة وتمام الاستسلام، فلا يكاد يدرك نوره غروب. وتوبة هؤلاء تجىء من هبوطهم عن المستوى الذى يجب أن يبقوا محلقين فيه. ونحن ـ لكى نستبين منازل الناس ـ يجب أن نعرف أن الاختلاف شديد جدا بين قيم البشر، وأن المسافة بين إنسان وإنسان تصل أحيانا إلى بعد ما بين الأرض والسماء... تأمل قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصف درجات المؤمنين في الجنة:"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدرى الغابر في الأفق من المشرق والمغرب ـ لتفاضل ما بينهم ـ!! قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذى نفسى بيده، هم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". إن الفروق القائمة بين أفراد الجنس البشرى واسعة، والله عز وجل يكلف كل امرئ على مقدار ما أوتى من سعة روحية وعقلية. وكما أن العطاء من صاحب القناطير المقنطرة يستقل إذا لم يكن غدقا، فكذلك يستقل الجهد المحدود من ذوى الهمم الضخام. وهذا معنى قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أجل إن العمل الذى يعتبر حسنا من إنسان يعتبر تقصيرا من إنسان آخر. وذلك ما جعل أحدهم يقول: ولو خطرت لى في سواك إرادة على خاطرى يوما حكمت بردتى دوافع هذه المبالغة في الحكم معروفة، وآفاق الكمال الدينى بعيدة المدى، 153

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت