سرت في روحه عدوى الخير والعفاف والتقوى فأقلع عن غيه، واجتث أصول الشر من قلبه، وغيره الخوف من الله، فآلى على نفسه لا يعصيه أبدا. فما أدركه الأجل وهو على هذه النية الجازمة كانت توبته قد غسلت خطاياه، فمات مغفورا له!! إن خشية الله شىء عظيم...!! وإن النذر لتتلاحق في آيات الكتاب العزيز كى تشعل في الضمير هذا الشعور الهادى فلا يتعثر المرء ولا يضطرب. وإيقادا لهذه الشعلة، وارتقابا لما يعقبها من آثار سجلت السنة النبوية قصة غريبة لرجل طالت إساءته، فلما احتضر اختلط في نفسه أمران: خوفه من عقبى ما فعل في ماضيه الطويل، وجهله الذى حيره في وسيلة للخلاص منه!. فماذا يصنع؟ امتزج خوفه وجهله في عاطفة ساذجة ووصاة جمع أولاده على تنفيذها بعد موته. قال عليه الصلاة والسلام:"كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقونى، ثم اطحنونى، ثم ذرونى في الريح، فوالله لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحد. فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعى ما فيك ففعلت، فإذا هو قائم. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له".
الوجود الذى نحسه، وما يكمن في تضاعيفه من لطف وبر، هو نعمة محض لا علة لها إلا محض الفضل الأعلى. إن المرء ينام وتبقى في عروقه وأعصابه عشرات القوى التى تضبط حياته لا تهن ولا تسكن. من الذى استبقاها يقظة دائبة؟ بل من الذى أبدعها ابتداء من صميم العدم؟ إنه الله. إنه لم يخلقك إثر سؤال منك، ولم يشرف عليك وأنت جنين، ثم وأنت رضيع 199