فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 220

لأنك طلبت منه ذلك، إنه فعل بك ذلك لأنه ـ من ذاته ـ منعم وهاب، واجد ماجد. ولو كان يدير الأمور وفق الأسئلة والرغبات لاندكت الآفاق وسرت الفوضى في كل ناحية. إنه أرحم بالعباد من أنفسهم وأعرف بمصالحهم من منتهى تفكيرهم وعطفه السابق على مقدرات الخلائق هو الذى يسير الحياة، ويشيع فيها الخير، ويضمن لها البقاء. وفى هذا يقول ابن عطاء:"جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل عنايته فيك لا لشىء منك. وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته؟. لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال، لم يكن إلا محض الإفضال وعظيم النوال". إن الفضل ينبثق من ذى الجلال والإكرام لأن ذلك وصفه ـ كما ينبثق الشعاع من الشمس ـ ولله المثل الأعلى ـ لأن طبيعتها الاتقاد. إن الملك الجليل الشأن الذى انبسط سلطانه على كل شىء فهو في السماء إله وفى الأرض إله، ويعطى ويغدق لأن الكمال نعته سواء عرف البشر ذلك أم أنكروا. وعطاؤه على قدر عظمته، ومن ثم فهو أحق من يرجى ويقصد!! إن البشر يتهافتون على من يأنسون فيه القوة والغنى التماس جداء وابتغاء نداء، ولو عقلوا لعلموا أن ما لديه قطرة معارة، وأن أحق من يشدون إليه الرحال ويربطون به الآمال، هو الكبير المتعال. إن الأساس في طبائع البشر طرا، مهما سمت مناصبهم وبدت قدراتهم، أنهم يأخذون لا يعطون. أليسوا فقراء إلى الله، عالة على فضله؟ فالاتجاه بالرجاء إليهم طيش. أما الرجاء في الله فعمل وافق موضعه وأصاب هدفه. ثم إن جمهرة البشر حين يسألون تتحرك فيهم صفاتهم الفطرية، فهم بين جاهل بحال السائل، أو عالم بها عاجز عن علاجها، أو قادر يمنعه شح نفسه عن الإجابة. وتلك كلها آفات منفية عندما يتجه الرجاء إلى الله جل جلاله. ولذلك ترى أولى الألباب يقصدونه بالمطالب الجسام وهم راجون ألا ينقلبوا عن ساحته إلا راضين... 200

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت