كان الرجل من الصالحين إذا مدح قال:"اللهم اغفر لى ما لا يعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون، واجعلنى فوق ما يظنون". وهذا دعاء من ينصف نفسه ويخشى ربه.
"تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه! تحقق بذلك يمدك بعزه، تحقق بعجزك يمدك بقدرته، تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته". ماذا تكون عليه العلاقات بين المخلوق والخالق والمرزوق والرازق، والمخطئ المعثار، والتواب. الغفور، والبائس الفقير والمنعم الكريم؟ إن الصورة الوحيدة المعقولة أن يعترف الأدنى بالأعلى اعترافا ماديا ومعنويا يظهر في النفس وعلى الجوارح!!! خصوصا إذا كانت هذه العلاقات ممتدة لا انقطاع لها، فقد يظن ظان أن الصلة بين العبد وربه يمكن أن تشبه الصلة بين الولد وأبويه، يحتاج الطفل إليهما صغيرا، فإذا كبر استغنى، وربما دفعه استغناؤه إلى العقوق، وجحد ما مضى!! كلا، إن حاجة العبد إلى الله خالدة. أمسى من حاجة الرضيع إلى أمه، مهما تراخت الأيام وأمسى في حاجة النبت إلى الشعاع والماء كى يزدهر وينمو (قل من يكلؤكم بالليل و النهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون) . وربما توهم العبد أنه يزل ثم يستطيع الفرار من تبعات زلله، عند ذى منعة هنا أو هناك، لا، ليس في الكون من تتحصن به أو يدخلك في جواره، أو يبسط عليك منعته: الملجأ أوهى من الهارب (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم و لا هم منا يصحبون) . إن فقر البشر إلى الله شديد، وما يستمتعون به من سمع وبصر وأفئدة مواهب معارة منه. لو يشاء استردها في أية لحظة، ووقف أعتى العتاة صفر اليدين لا يجد الهباء، بل تلفظه كل ذرة في الأرض والسماء (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون) . العبادة الصحيحة أن تقوم بين يدى الله وأنت أنت وهو هو. أنت أنت بحقيقتك العارية من غير دعوى ولا تزيد. 129