ولعل استشعاره الخزى على فعلته، وإكنانه الألم في أوبته يجعلانه أدنى إلى الحق وأقرب إلى مثوبة الله ـ بهذا الذنب ـ من أولئك الذين لم يستفيدوا من طاعتهم إلا الجلافة والقسوة. وغريب أن يقع في السلوك الإنسانى هذا التفاوت ولكنه موقف الناس مما أمروا به ونهوا عنه!!. إن الله شرع العبادات ليتواضع العباد بها لا ليستكبروا، وليستقبلوا بها رحمة، ثم يلقوا بها سائر الخلق وفى قلوبهم رقة، وفى نفوسهم وداعة، وفى سيرتهم طيبة. فإذا وجدت من العابدين من ينقطع دون هذه الغاية، فهو لم يعبد حقا، ولم يدرك قبولا. وقد كره الله المعاصى وحرمها على الناس، وسعر جهنم لمقترفيها. ومع ذلك فإن بعض الناس تكون المعصية وخزًا لضميره النائم وحزنا ينقذف في قلبه فإذا هو دامع العين متهيب لبطش الله به. إن تهيب هذا العاصى أفضل من كبرياء ذلكم العابد. وعلى ضوء هذا الكلام تفهم ما حدث به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله عز وجل: من ذا الذى يتألى على ألا أغفر لفلان؟ إنى قد غفرت له وأحبطت عملك"!!! ولا يذهبن أحد إلى أن هذا تهوين من شأن العبادة، كلا إنه حماية للعبادة الحقيقية، وزراية على العبادة المزيفة، وتعليم للعباد ألا يغتروا بأنفسهم وبما قدموا. وتحريض لهم أن يتعلقوا بذات الله، وأن يكونوا كما وصف الصالحين من عباده: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) كما أن الذنوب لا يمكن أن تكون موضع رضا، بل هى سبب حقيقى لخزى الدنيا وعذاب الآخرة. ولكن الذنوب التى تؤرق أصحابها، وتقض مضاجعهم، وتسرع بهم إلى المتاب، لا تعد ذنوبا بعد ما غسلها الندم، وتحولت إلى حاد يحث الركاب إلى رب الأرباب.
"لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والمكان الذى ارتحل إليه 115"