المقبلين عليه بإقبال أعظم (من جاء بالحسنة فله خير منها) والسائر لو وكل إلى جهده وحده غلبته وعثاء الطريق فمشى ببطء أو انقطع بعد لأى، ومن ثم فإن تعويل السائرين ينبغى أن يكون على الإمداد الإلهى أضعاف ما 139
يكون على الجهد المبذول. ألا ترى الفلاح يبذر الحب ويروى الأرض، وينظر ـ بعد ذلك ـ إلى بركات السماء، وهو مدرك أن جهده المحدود لا قيمة له، ما لم يلحظه الله بعنايته. إن هذه العناية قد تفاوت بين جهدين متساويين فتجعل نتاج هذا عشرة عشرة أضعاف ذاك.
وهى أول مراحل الطريق، بل هى المدخل المفضى إليه، والقرين المتنقل في مدارجه من البداية إلى النهاية. والتوبة كلمة شائعة على الألسنة، حتى لكأن شيوعها ابتذلها وأطفأ سناها الكريم، ومع أن دلالة الكلمة تجعلها أخطر من أن يجازف بها. هل يلغو إنسان فيقول: بنيت قصرا، أو يلغو فيقول: ألفت كتابا!!. إنا بناء قصر شاهق أهون من بناء نفس خربة، وإن تأليف كتاب ثمين أرخص من تأليف نفس فرق الهوى أقطارها. والتوبة هى هذا البناء والتأليف، فمن الهزل العجاب أن تدور على الألسنة دون تيقظ وإدراك. وجمهور البشر محتاج إلى التوبة، فقلما ينجون في حياتهم من العثار والتخليط، وما أكثر الذين يرديهم طيش الغرائز، وضعف الرأى، وقلة التجربة، واضطراب اليقين. وإذا استثنينا الأنبياء فأغلب بنى آدم تعرضوا لخطايا سيئة، وأخطار لا حصر لها. أما الأنبياء فإنهم قيادات روحية وفكرية اصطفاها الله من النشأة الأولى وتخيرها من معادن أرقى، فهم ليسوا على غرارنا، وان كانوا من تراب الأرض مثلنا على حد قول الشاعر: فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وقد قال الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) أى: أن الذين تبعوه جاءوا إليه تائبين. والتوبة ـ في نظر الإسلام ـ جهد لابد أن يقوم كل إنسان به، ولن يغنى عنك أحد أبدا في أدائه. 140