إذا اتسخ ثوبك فلن ينظفه أن يغسل جيرانك ثيابهم. وإذا زاغ فكرك، فلن يصلحه إلا أن يهتدى هو إلى الصواب. واستحقاق الرضوان الأعلى لا يجئ إلا من هذه السبيل، فلا قرابين، ولا شفعاء. (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) . والخطأ في حق الله لا يداويه إلا اعتذار المخطئ نفسه. فلو اعتذر عنه أهل الأرض جميعا، وفى مقدمتهم النبيون، وبقى هو على عوج نفسه فلن يقبل عنه اعتذار، ولن ينفعه استغفار. لابد أن يجثو المذنب في ساحة الرحمن ثم يهتف من أعماق قلبه: (رب اغفر وارحم، وأنت خير الراحمين ) ليؤمل ـ بعد ـ في مغفرة الله ورحمته. وعلى كل إنسان ساء فعله، واضطربت حاله أن يسارع إلى ربه، متعهدا نفسه بالرعاية والتأديب، مقبلا على شأنه بالترتيب والتهذيب، حتى يستطيع النجاة مما وقع فيه. وانتهاز اليوم أفضل من انتظار الغد، بل إن كنت في الصباح فلا ترقب الأصيل."لا مكان لتريث، إن الزمن قد يفد بعون يشد به أعصاب السائرين في طريق الحق، أما أن يهب للمقعد طاقة على الخطو أو الجرى فذاك مستحيل. لا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب، فإن هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير. الحاضر القريب الماثل بين يديك، ونفسك هذه التى بين جنبيك، والظروف الباسمة أو الكالحة التى تلتفت حواليك، هى وحدها الدعائم التى يتمخض عنها مستقبلك، فلا مكان لإبطاء أو انتظار، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل". ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهاج تجدد به حياتك، وتصلح به أعمالك لا يعنى إلا إطالة الفترة الكابية التى تبغى الخلاص منها، وبقاءك مهزوما أمام نوازع الهوى والتفريط. بل قد يكون ذلك طريقا إلى انحدار أشد، وهنا الطامة. 141"