وجودهم ليس لهم فضل يمتازون به، أو يعلى مكانتهم على غيرهم من الكائنات. كم تساوى حفنة من التراب؟ لا شىء. بل إن القرآن الكريم وصفهم في هذه المرحلة بما يدل على تفاهة الشأن قال جل شأنه: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) . أجل، فتلك مرحلة في تاريخ الوجود الإنسانى لا يستمد الإنسان منها أى كرامة، وإنما يستمد هذه الكرامة من الطور الآخر الذى يقول الله فيه لملائكته: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) . في هذه النفخة من روح الله سرت في الكيان الإنسانى الخصائص التى استحق بها أن يسمو ويمجد، وأن تخضع له صنوف الخلق الأخرى. نعم، قبل نفخ الروح في آدم وذريته، وما استحقوا سجودا ولا تكريما فإن الملائكة ومن دونهم لا يكلفون بالسجود لسلالة من التراب تافهة القيمة. إن هذا الغلاف المادى المجرد لا يستحق شيئا من ذلك... ولكن بعد أن تألق في هذا الغلاف المادى قبس من نور الله الأسنى، وبعد أن صار الإنسان يحمل آثارا من صفات الله جعلته حيا ومريدا وقادرا وعالما ومتكلما وسميعا وبصيرا، بعد ذلك، استحق الإنسان أن يكون خليفة الله في أرضه، وأن تتهيأ أرجاء الكون لاستقباله، والانقياد لأمره. إن الإنسان كائن عظيم حقا بيد أن عظمته ترجع إلى نسبه السماوى الروحى، لا إلى نسبه الأرضى المادى. ومن الناس من يقدرون نسبهم الإلهى هذا فيجعلون الحياة تزدان بالمعرفة والكرامة والفضيلة، وتسخير الكون للإنسان. ومنهم من تغلبهم نزعات الحمأ المسنون فيجعلون الحياة تسود بالشهوات والمظالم والأنانية وتسخير الإنسان لأتفه شىء في الكون.
والتزاع الأبدى بين الناس في هذه الحياة، أساسه: أتكون الهيمنة للحيوان الرابض في دم الإنسان يتحرك بنزعات القسوة والأثرة وحدها، أم تكون الهيمنة للقلب الإنساني المتطلع إلى الكمال والسلام، والحب والإيثار؟ ذاك ما يجب أن