حدود الله، هيابون أن يلموا بشىء يسقط مروءتهم ويغضب عليهم مولاهم. وقد ترقى بهم هذا الإيمان إلى ضرب آخر من الورع يستحق الإشارة. قال 159
أبو سليمان الدارانى: كل ما شغلك عن الله فهو شؤم عليك. وقال سهل بن عبد الله حين سئل عن الحلال الصافى: الحلال هو الذى لا يعصى الله فيه. والحلال الصافى الذى لا ينسى الله فيه. فالورع الذى لا ينسى الله فيه، هو الذى سئل عنه الشبلى رحمه الله، فقيل له: يا أبا بكر ما الورع؟ قال أن تتورع ألا يتشتت قلبك عن الله عز وجل طرفة عين. وهذا اللون من التفكير يقتضى نمطا حازما من السلوك لا يطيقه إلا الأقلون، منهم عمر بن الخطاب الذى كان ينظر إلى الرجلين المتساويين فمان كان أحدهما قريبا له أقصاه. كأن قرابته من أمير المؤمنين عائق له عن الصدارة والوجاهة!! ولم ذلك؟ لأن عمر شديد الحساسية بما تفعله الأسر الحاكمة فهو لا يريد أن تنتظم له أسرة في هذا السلك، وهو يحتاط لذلك من أول الأمر. ومنهم أبو حنيفة الذى كان يتاجر في الملابس محددا لنفسه ربحا يكفل حاجاته فحسب، رافضا ما زاد على ذلك، وإن طابت نفوس المشترين بدفعه!. وأساس هذه الخطة ـ التى لا تلزم بها الشريعة ـ أن هؤلاء الرجال شغلتهم في حياتهم وظيفة أعلى، فهم يوجلون مما يصرفهم عنها، أو يوهى عزائمهم فيها. إن الرجل الذى يرى في الله عوضا عن كل فائت، ينظر إلى عرض الدنيا وشئون الأقربين والأبعدين نظرة خاصة، نظرة من يحكم عليها من أعلى، لا من تتحكم فيه وهو دونها أو وراءها...!!
وهذا العنوان أحب إلى وأقرب إلى لسان الشريعة من عنوان"الزهد والفقر"الذى أجرى على لسان نفر من الكاتبين. فالعفة مثلا تعنى قدرة الواجد على ضبط نفسه، أو قدرة المحروم على حكم إرادته، فهى فضيلة إيجابية حية، أما الزهد فربما اقترب في مدلوله، وفى نتيجته من هذا المعنى، إلا أنه أدنى إلى السلبية والاستكانة. وقد رأيت الشارع استعمل كلمة العفة فى