تحقق هذا المعاش الحتم، ففروض العين لا توجد إلا بعد أن تتحقق فروض الكفاية!! وربما استطاعت أمة من الأمم أن تحيا على نحو بدائى ييسر الكفاف لبنيها ويجعل ما يقيم أودهم شيئا ضئيلا لا يتطلب إلا أدنى الجهد، وبذلك يكون كفاحهم العمرانى ضيق الدائرة، ينصرفون بعده إلى الفروض العينية من صلاة وصيام. وإذا كان ذلك عسير التصور في حياة الجماعات فهو سهل التصوير في حياة الأفراد.
وهذا كلام يحتاج إلى فضل بيان، نعم، يقدر أحد الناس على تناول أقراص من الخبز، وارتداء ألبسة من الخيش، والانزواء بعد ذلك في مكان خرب أو عامر يعبد الله كما يرى. والبيئة التى يوجد فيها هذا الصنف من الناس ربما لا تتطلب أكثر من رحى للطحن، ومغزل للنسيج، وعدد من الأشغال التافهة هى التى تمثل"فروض الكفاية"فى مجتمع ساذج. لكن الإسلام لا يصلح في هذه البيئة، ولا تعاونه أدواتها على السير، ولا على مجرد البقاء. لو كان الإسلام رهبانية صوامع ربما أنزوى في جانب منها واكتفى بأى لون من العيش، ولكنه دين يبغى الاستيلاء على الحياة، وإقامة عوجها ومحاربة طواغيها. وعدة هذا الجهاد تتطلب أمدادا موصولة من النشاط والخبرة والتضلع في علوم الحياة والتمكن من أشتات الحرف. أى أن المجتمع الإسلامى لابد أن تزدهر فيه جميع الفنون والصناعات التى تشيع بين أجيال البشر في أرجاء الأرض كافة. وينبغى أن تبلغ براعة المسلمين في هذه الميادين حد التفوق. فإذا قورن بهم غيرهم في النواحى المدنية والعسكرية كانوا أرجح كفة وأهدى سبيلا.. وإتقان هذه الأمور في طليعة درجة الإحسان التى شرحها الحديث... تصور مثلا أن المسلمين متخلفون في صناعة الدواء، وأنهم في هذا عالة على غيرهم من الأمم الشيوعية والصليبية! أتظنهم بهذا التخلف يسدون إلى دينهم أو إلى أنفسهم جميلا؟ 063