فيها، وتختلف ميولهم إليها اختلافا بينا، ومع ذلك فإن المجتمع يقوم على أداء كل فرد لما يحسن منها... لو أن الناس كلهم فلاحون فمن يتاجر؟ ولو كانوا جميعا صناعا فمن يزرع؟ إن إيجاب عمل بعينه على فرد بعينه شىء متعذر، وإنما تفرق الأعمال عليهم وفق رغباتهم ويرشحهم استعدادهم له. وهذا التوزيع يقوم المجتمع به تلقائيا، لضمان مصالحه كلها، فإذا وقع خلل في ذلك كان مسئولا عن تلافيه. وربما سأل سائل. وما علاقة هذه الأعمال العادية بالدين؟ والجواب أنها من صميم العبادات، وأنها حفا فروض كفايات، وأن الهندسة، والطب والفلاحة، والصناعة، ومختلف الحرف وأسباب العمران من أركان الإسلام، وأنها تدخل دخولا محتوما في دائرة الإحسان التى تناولها الحديث الشريف بهذه العبارة الموجزة:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وذلك لأن الإنسان ـ وهو محور النشاط الدينى وموضع التكاليف السماوية ـ لا تستقر له حياة، ولا يستقيم له وجود إلا إذا كفلت له معايشه وتعاونت ظروف البيئة على ضمانها. أى أنه يوجد ويستقر أولا ثم تلاحقه الواجبات بعد ذلك. وهذا الوجود منوط بالكدح سحابة النهار والاستعداد له ـ بالراحة ـ أثناء الليل قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) وقال تعالى: (وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا) . إن تعاقب الليل والنهار مجال النشاط العمرانى الذى تقوم به الحياة الدنيا، وهو كذلك مجال النشاط الدينى الذي يعرف به الله، وتكفل به الحياة الأخرى قال تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) . فلابد للإنسان من أن يعمل عملا ما، عملا ترشحه له ملكاته وخصائصه ويلزمه المجتمع الذى يعيش فيه بأن يقوم به. وفى شبكة الأعمال المنثورة على هذا وذاك، يسرى تيار الحياة العامة قويا، ويتوزع على الأفراد ما يصون معاشهم، ولن يستطيع أحدهم صلاة وصياما إلا إذا 062