لا يبحث عن الشفاء إلا من أحس المرض، أما من أصيب بعلة فلم يشعر بها ولم يستشف منها، فإن جراثيمها تستشرى في أوصاله حتى تأتى عليه. وكذلك النفس الإنسانية لا يطلب لها العافية إلا من أدرك ما بها من أدواء والشعور بالنقص أول مراحل الكمال. وقد قال الله تعالى على لسان أحد أنبيائه المطهرين: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) فإذا وجدت امرأ راضيا عن نفسه فافقد فيه الأمل، لأنه ينطوى على ركام من العيوب والنقائص وهو لا يلتمس الخلاص منها بل إنه فاقد الشعور بوضاعتها. وهيهات لمثل هذا اكتمال أو نجاة. والعلم النظرى لا يرفع قدر أصحابه، فأى قيمة لشخص يختزن في رأسه قدرا من المعلومات ولكن نفسه طافحة بآثام لم تعالج وخشونة لم تهذب، ثم هوـ مع ما يختزن من معرفة ـ لا يدرى أنه عليل. مثل هؤلاء يكون علمهم آفة، لأنه يقوى جهالاتهم ولا يزيلها، ويغرهم بما أوتوا بدلا من أن يزيل من أنفسهم ما يسوءها. وأفضل من هؤلاء رجل قليل المعرفة عميق الإخلاص كثير التفتيش عن عيوبه مجتهد في تزكية نفسه وترقية أحواله، هان هذا أرجى عاقبة وأرقى عاجلة من العلماء الكبار إذا رضوا عن أنفسهم، وغفلوا عن إصلاحها...
"ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك الذنب فكان سبب الوصول. معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا". قديما وحديثا ضاق العلماء الراسخون بنفر من أهل العبادة يحسنون الشكل ولا يحسنون الموضوع، يكثرون التصويب ولا يصيبون الهدف، يقيمون الظواهر بدقة ولا يدركون من الحقائق شيئا... هؤلاء الناس كانوا قديما وحديثا حجة على الدين لا سنادا له وعوائق تصد عن العبادات لا شواهد تدعو لها وتغرى بها. يصلون، افتدرى كيف خرجت صلاتهم منهم؟."خرجت ـ كما يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وصف صاحبها ـ وهى سوداء مظلمة، تقول ضيعك الله كما ضيعتنى، حتى"