فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 220

إساءة المسلمين إلى دينهم وأنفسهم بالغة الشدة، وقد تتابعت هذه الإساءات في الأعصار الأخيرة واتسع نطاقها، وفشت بين الخاصة والعامة جهالات غريبة بالدين، وجهالات أغرب بالحياة العامة، فإذا الأمة التى بقيت دهرا طليعة مرموقة ترجع القهقرى، وتلاحقها الهزائم، ويهون وجودها عليها وعلى الآخرين فهى كما قيل: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود!! إنها ما أحسنت العمل بحقائق دينها ولا أحسنت العمل بشئون دنياها، فلم يكن بد من مواجهة هذه العقبى. إن الذى يجهل قواعد اللغة لا يحسن البيان، والذى يجهل أركان الصلاة لا يحسمن العبادة، وكذلك الذى يجهل شئون الحياة لا يحسن الإفادة منها ولا التبريز فيها. والعلم ضربان: علم مصدره الوحى، وهو محصور الدائر، واضح الحدود. وعلم مصدره النشاط الإنسانى ومكابدة الحياة نفسها، واستكشاف قواها وأسرارها، وهو علم واسع الدائرة رحب الآفاق. وفى النوع الأول من المعرفة، حسب المرء أن يدرس ما جاء من السماء ليعمل به العمل الصحيح. أما النوع الآخر، فإن السماء تركتنا له وتركته لنا، فلم يجئ وحى يعلمنا فنون الصناعات وألوان الحرف وإنما خلانا الله وشأننا نتكلف ذلك ثم نوجه ما نملك من أمور الحياة الوجهة الصالحة، ونسخره لدعم الرسالة التى اصطفانا لها. ومن المؤسف أن أقدام المسلمين زلزلت في كلا الميدانين، فوعيهم لكتاب الله وسنة رسوله ضعيف، وفقههم لظواهر الحياة وبواطنها أضعف، وتوجيه الحياة وخبراتها وملكاتها لخدمة دينهم أشد ضعفا. وليس من العبادة انتظار نجدة من السماء لتغيير هذه الأحوال. إننا ـ من الناحية العامة ـ بشر كسائر البشر. لنا ما للناس من أسماع وأبصار وأفئدة. 0 ص 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت