قيل: لا... قال فافعلوا ما بدا لكم. ولما سجن الشيخ عليش في أعقاب الثورة العرابية قيل له: تملق الخديو ليعفو عنك. فقال قصيدته التى مطلعها: الزم باب ربك وأترك كل دون واسأله السلامة من دار الفتون لا تكثر لهمك ما قدر يكون وأساس هذا السلوك توطين النفسى على أسلوب من العيش خفيف المؤنة قليل التكلفة والإنسان في هذا المجال يمكن أن يمتد ويمكن أن ينكمش. والنفس طامعة إذا أطعمتها وإذا ترد إلى قليل تقنع ونحن لا نحرم حلالا، ولا نحجر واسعا، وإنما نصف الطريق التى لابد من سلوكها لأصحاب الرسالات وحملة الدعوات. فإنه لا يتفق طمع في الدنيا وانتصار للمثل العليا. ولا ينسجمان الحرص على إعلاء كلمة الله، والحرص على تكثير المغانم واسترضاء الخلائق، وفى الحديث:"يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى". وضوابط الكفاية ليست لها خطوط معينة، بل هى تختلف باختلاف الطبائع والأحوال والبيئات. ومن العبث تحديد مستوى معين من النفقات لرجل، أو لأسرة، يقال إن ما وراءه إسراف. فرب ضرورة لشخص تعتبر ترفا لشخص آخر... إن الحالة النفسية هى الحكم الفذ في هذه الظروف، ولذلك يوصى ابن عطاء الله بتقليل ما نفرح به إجراء لمطالب المرء في أضيق نطاق، جتى إذا مسته وعكات الجهاد لم يكن هناك ما يستدعى الأسى... والواقع أن الفقر والغنى أخلاق نفسية قبل أن يكون أعراضا دنيوية. فكم من ذى مال يبيت مؤرقا وراء المزيد، شاعرا بالفقر، لأن كل ما يطلب لم يتحقق له. 132