فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 220

لا في الدنيا ولا في الآخرة! ألا ترى إلى قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) . ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية، تارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقام الثدى ومصه، وتارة بالعلم، فطلب من الناس أن يتعلموا جميع ما تستجلب به المصالح، وكافة ما تدرأ به المفاسد، إنهاضا لما جبل فيهم من غرائز فطرية ومطالب إلهامية. لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح ـ الكافلة لحياتهم ـ سواء كانت من قبيل الأفعال، أو الأقوال، أو العلوم، أو الاعتقادات، أو الآداب الشرعية والعادية. وفى أثناء العناية بالأجيال الناشئة، وتنمية مواهبها الفطرية يقوى في كل واحد من الخلق ما امتاز به، ويبرز فيه على أقرانه الذين لم تهيئهم الأقدار على غراره، فلا يأتى زمان التعقل حتى ينضج فيه ما اختص به من ملكات، فهذا يطلب العلوم، وهذا يعشق الآداب، وهذا يتجه لبعض المهن، وهذا يهوى الرياضة والفروسية، وهذا يحب الكفاح والجلاد، وهذا ينشد التقدم والرياسة... الخ. وإذا كان كل واحد قد غرزت فيه القدرة على التصرف العام، والفهم لقدر مشترك من شتى المعارف إلا أن العادة جرت بغلبة بعض الميول الأدبية والمادية عليه، فتكون التربية الصحيحة تتبع هذه الميول بالإنماء والرعاية، ثم توزيع الأعمال على المكلفين بما يوائم طبائعهم، وعندئذ ينهض كل مكلف بأداء ما هو راغب فيه محسن له". وبعد أن شرح الشاطبى النظام الدراسى الذى يقترحه للطلاب وفق خصائصهم النفسية قال:"وهكذا يكون الترتيب مع من ظهرت عليه صفات الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور فإنه يمال بهذا الصنف إلى ما يرغب، ويعلم آدابه المشتركة، ثم يختار له الأولى فالأولى من صنائع التدبير كالعرافة أو النقابة أو الجندية أو الهداية أو الإمامة أو غير ذلك مما يليق به، وما ظفرت له فيه نجابة ونهضة. وبذلك يتربى لكل عمل ـ هو فرض كفاية ـ قوم يؤدونه. وطريق المعرفة الطويل يبدأ بمرحلة مشتركة ـ حيث يقف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت